Monday, 19 July 2021

الإعتداء على الأطباء.. ظاهرة تحتاج لوقفة

 

أريد أن أتكلم عن ظاهرة الاعتداء على الأطباء -وبقية الكوادر الطبية- ، و انقل بعض تجاربي الشخصية المحدودة في محاولة منع هذه الظاهرة وما ينبغي فعله لإنهائها من وجهة نظري القاصرة. 

عشنا فترة شهر عسل قصيرة خلال بدايات جائحة الكورونا قلت فيها اعداد الاعتداءات على الكوادر الطبية ، ولكن ما إن طالت الجائحة و كثرت الوفيات والمضاعفات وقلت كفاءة المنظومة الصحية في تعاملها مع الناس حتى عادت هذه الظاهرة الدخيلة للبروز ثانية.

كنت أتابع دائما التعليقات على أخبار "مراجع يعتدي على طبيب" والتي أصبحت مادة روتينية في صحفنا، وليس سرا أن أغلب هذه التعليقات كانت ولا تزال تتعاطف مع المعتدي وتبرر له. فلم يعد غريبا ولا مستهجنا في مجتمعنا ان نرى تعليقات مثل: "اكيد الدكتور استفزه"، او "زين يسوون فيهم" او " قلعتهم"

الاعتداء على الطبيب ليس جديدا، لكن الجديد هو نظرة المجتمع للاعتداء وتبريره بالحالة النفسية للمعتدي،او مرضه،او سوء تصرف الطبيب،ويكون عادة حكما مسبقا دون معرفة التفاصيل. ولست في وارد البحث في ذلك لكني أود إعادة التساؤل: كيف يكون العنف مقبولا هنا بلا خجل؟ دون بقية الدول!

لماذا لم نر المجتمع الغربي يبرر للمريض اعتداءه على طبيبه؟ لماذا لا يقدر حالته النفسية؟ بل لماذا لم يكن مجتمعنا متسامحا مع العنف قبل ٣٠ عاما ! حينها لم يكن متصورا أن يبرر شخص لمريض اعتداءه على طبيبه الذي يقوم بخدمته !

لماذا صرنا لا نستطيع ان نستنكر عنف المراجع مع طبيبه دون ان نلحق ذلك بكلمة "ولكن" ثم نغوص في التبرير غافلين عن اننا بذلك انما نرسخ هذه الثقافة الهمجية! ثم كيف نتوقع من كادر طبي بشري (وليس من الملائكة) ان يقدم افضل ما عنده ونحن نبرر -بقصد او دونه- لمن يضربه! ألم يعد فينا رجل رشيد! بدأنا بالتبرير لضرب الطبيب فأين انتهينا؟ بالتجرؤ على طعن رجل الأمن ! وتحولنا لمجتمع همجي! لا نخاف من شيء ولا نخجل من خطأ!

لا ألوم المجتمع بل ألوم الدولة التي سمحت بهذا ماذا فعلت وزارة الصحة لتوفير بيئة آمنة لكوادرها؟ ماذا فعلت غير البيان تلو البيان والمذيل بعبارة باتت اضحوكة وهي " سنتخذ الإجراءات القانونية" . هذه الإجراءات مثل بيض الصعو ،لم نرها يوما،ولو حصلت فعلا فهي لم تردع معتديا ولم تعد كرامة طبيب





ماذا يفيدني كطبيب أهينت كرامته على رؤوس الأشهاد ، ان اتصل بي مسؤول معلنا دعمه الهلامي لي! أين أصرف دعم معاليك؟ وطبعا ليس كل طبيب يحظى باتصال من معالي السيد المسؤول، بل الاتصال يأتي على قدر الضجة الإعلامية التي تسببها الحادثة! اما ذاك الطبيب الذي ضُرب ولم تصل قضيته للإعلام فلا يتصل به أحد سوى امه التي تطمئن عليه !


هذه الدراسة في الكويت سنة ١٩٩٩: رغم ان الدراسة شملت أطباء لا يتعاملون مع المرضى كثيرا واستثنت أطباء الطوارئ الذين يعتبرون اكثر من يتعرض لها: فإن ١ من كل ١١ طبيب تعرضوا لاعتداءات متنوعة، ٥٪ منها اعتداءات جسدية. ٧٢٪ من الأطباء الذين تعرضوا للاعتداء أصيبوا بالاكتئاب،و٣٦٪ بالخوف..الخ





أما في أقسام الطوارئ فحدث ولا حرج ! إنها الغابة! دراسة اخرى عن العنف في قسم الحوادث في مستشفيات الكويت سنة ١٩٩٩: ٨٦٪ من الاطباء تعرضوا لاعتداءات، ٢٨٪ منها كانت جسدية!



الطريف في هذه الدراسات المنشورة ان من اجراها أصبح لاحقا وكيلا لوزارة الصحة :) فماذا فعل لمنع العنف بعد أن اصبح مسؤولا؟  ربما لم يعد الأمر مهما

سأحكي بعض تجاربي الشخصية مع ظاهرة العنف في المستشفيات... والتي علمتني كيفية تعامل الدولة مع هذه الظاهرة المخيفة... عسى ان يكون في ذلك فائدة!

مر علي مريض سجلت بحقه اكثر من ١٧ شكوى اعتداء موثقة، وذات مرة كسر جهازا طبيا وأخرى دخل علينا ب"ليور" سيارته مهددا الطاقم الطبي ! فذهبت للمخفر طالبا تسجيل بلاغ بأن الموظفين يشعرون بالتهديد وعدم الأمن بسبب هذا الشخص، فرد علي الضابط بأنه لا يستطيع تسجيل بلاغ ويجب ان يأتي "الممثل القانوني" للمستشفى للشكوى! ولم يعمل الضابط شيئا. وإلى اليوم لا اعرف من يكون ممثلنا القانوني رغم تساؤلي المتكرر!

ثم ذهبت لمدير المنطقة الصحية وقلت له: انا لا اريد منك شيئا سوى ان تنقل هذا المريض الى مستشفى آخر بعيد عن بيته ليراجع فيه! فقال لي ضاحكا: انت تعلم أني إن نقلته ، سيعود بعد نصف ساعة بمكالمة من الوزير ! ولم يعمل شيئا !

و مرة جاءنا مراجع في غير موعده وشهر سكينا ليطعن ممرضا ! وبعد جلوسي معه تبين ان لديه مشكلة نفسية، وتكلمت مع وكيل النيابة شارحا حالته ورجوته ان يحيله للطب النفسي لأنه يشكل خطرا على نفسه وعلى الكادر الطبي وتلوت عليه القانون الذي يخوله ذلك ..وبالطبع لم يعمل شيئا !


اقترحت مع مجموعة من الزملاء أن ننشئ فريقا لمنع العنف (وهو ما يعرف في الغرب باسم كود وايت تيم)، فجاءنا رد وزارة الصحة كما ترون ! هل هذه العقلية تريد فعلا منع العنف ؟ مع أن هذه الأمور من أبسط البديهيات في المستشفيات التي عملنا فيها في الغرب !



وهناك مشكلة أخرى لا يبدو ان هناك علاجا لها !
غلب من يتعرض للاعتداء والاضطهاد هم من الكوادر الطبية من الإخوة المقيمين، والنيابة تصر على ان يتقدم المتضرر فقط بالشكوى!

ولك ان تتخيل ممرضا آسيويا يريد ان يقاضي مراجعا كويتيا لوحده ! ولو صمد امام ضغوط التنازل من ضباط المخفر، فأول ما سيقوم به المراجع ان يرفع ٦٠ شكوى مضادة ضده ويتهمه بالخطأ الطبي والإهمال، فهل سيصمد أم يسحب شكواه ليبقي على لقمة عيشه بدل ان يتم ترحيله ! وينتصر المعتدي !

وقد كتبت اقتراحات للجمعية الطبية-اثناء صياغة القانون الطبي الأخير-لإدراج هاتين النقطتين (فريق منع العنف وآلية شكوى العامل الطبي) في القانون، ولم يؤخذ بهما، ولابأس. لكني أعتب على الأخ رئيس الجمعية الطبية الذي ظهر في لقائه الأخير وقال ان احد أسباب مشكلة العنف القصور في القوانين!


فسبحان الله! القانون كان في يدكم ولم تشركوا الأطباء في إقراره ولم تأخذوا بآرائهم حتى سُلق سلقا في المجلس ! واليوم تقولون ان هناك قصورا في مسألة بينّاها لكم! فمن تلومون؟


أختم باقتراحات أرى من الواجب تحقيقها لمنع هذه الظاهرة المخجلة: ١-إنشاء فرق منع العنف(كود وايت تيم) ٢-دورات تدريبية للعاملين الصحيين على امتصاص غضب المراجع ٣- تحسين التواصل مع المرضى وذويهم ٤- وجود آلية واضحة للمعتدى عليه ليرفع الشكوى في محل عمله وحمايته من الشكوى المضادة الكيدية

أما ندائي للأطباء والعاملين الصحيين...يجب ألا تقبلوا بالعمل في بيئة غير آمنة ! قبولكم بالعنف وعدم تحرككم الجماعي لمنعه يضر النظام الصحي ويضر المرضى بالدرجة الأولى! عزيزي الطبيب..عندما تتنازل ببوسة خشم فإنك لا تتنازل عن الحق العام فقط وانما تشجع على ضرب زميلك في المرة القادمة

لن يتعاطف الناس مع من لا يطالب بكرامته! ولن تحصل فرصة يقدر فيها المجتمع الأطباء مثل الآن.. ان لم ننظم جهودنا ونتحرك لايقاف هذه الظاهرة، لن يدخل احد هذه المهنة في المستقبل.

انا لست مع التباكي في وسائل التواصل بل مع التحرك الجدي .. المجتمع يقف مع من يطالب بحقه لا مع من يستجدي ويتباكى وينتظر هدية من 
لو توقفنا عن العمل لدقيقة واحدة فقط احتجاجا عندما يضرب احد السماء ! زملائنا..لقدّر المجتمع ذلك ولانتهت هذه الظاهرة فورا