Friday, 19 May 2023

الانتخابات و أكل الميتة

  مع كل عثرة -متوقعة- للتجربة الشبيهة بالديمقراطية في الكويت، تخرج أصوات لم تعذ نشازا لتعزف المعزوفة الكلاسيكية: "مو قلنا لكم المشكلة بالمجلس"، " شوفوا دور مدارنا"، "المجلس سبب بلائنا" إلى أخر مقاطع السيمفونية الشهيرة.. مع دعاية خجولة من قبل المتثيقفين للبطل الخرافي الوهمي المسمى "المستبد المستنير"

 

والحق أن هذه الأصوات باتت أكثر عددا و أعلى صخبا ، ولا يلام أصحابها على هذا التفكير بعد المجازر الدستورية التي ارتكبتها السلطة وبحد أقل غوغاء النواب حتى جعلوا الدولة أضحوكة للعالمين، وصنعوا من تلك التجربة الرائدة مسرحية هزلية مجانية المشاهدة لشعوب المنطقة بعد ما كانت مثالا تشرئب إليها أعناقهم. مهمة الدفاع عن تجربتنا الديمقراطية و دستورنا العتيد أضحت أكثر صعوبة مع كل هذه الأمثلة السيئة التي تعرضها هذه التجربة للقريب والبعيد، ففي النهاية الناس تهتم بالثمرة على أرض الواقع وهي ما يحدد حكمها على التجارب بالنجاح أو الفشل. لذا لم يعد مقنعا التشدق بالشعارات الديمقراطية التي لم تمنع الحصى من التطاير ولم تردع لصا عن السرقة.. بل علينا أن نقدم جوابا منطقيا هادئا يحترم عقول الناس عن سبب اصطفافنا المتكرر في طوابير الاقتراع، دون تشغيل مكبرات الصوت بالأغاني الوطنية

 

فالسؤال المنطقي الذي يحتاج إجابة منطقية أيضا... هل نحن بهذه السذاجة لنذهب كل بضعة أشهر لننتخب برلمانا لتحله السلطة كلما اشتهت؟ أو تبطله بجرة قلم بلا أدنى اعتبار لمئات الآلاف الذين تجشموا عناء الوقوف في الطوابير! ثم هل نحن بهذه البساطة لنصدق المرشح تلو المرشح وهو يسرد لنا أحلامه الخيالية في إصلاح البلد، وكأننا نقرأ كتيبا من مكتبة جرير بعنوان " كيف تجعل الكويت دولة عظمى في أسبوع" ! 

 

إجابتي ببساطة، لا. لسنا بهذه السذاجة. لكننا لسنا بذلك الغباء لنترك برلمانا – وإن كان ناقص الصلاحيات – وندخل إلى قفص الحكم الفردي طائعين. و أي بلاء أعظم من تصور أن الاستبداد هو ما سيحل مشاكل البلد ! وغني عن القول أن من يريد الاستبداد هو من يروج بقوة لفكرة ان الديمقراطية سبب البلاء ، وليس فشل رجال الدولة في إدارتها، وهو الأمر الذي لا شأن للمبنى الأبيض القابع على سيف البحر أدنى علاقة به. ولن أجتر هنا الذكريات الأليمة لفشل الحكومة الفردية في إدارة الدولة في سنوات تعليق البرلمان في السبعينات والثمانينات، بل وحتى في فترة البرلمان الشكلي في العقد الأخير الذي عاصرناه، وما جرته علينا حكومات الرأي الواحد من كوارث من مناخ و غزو وانتهاء بتصفير احتياطيات البلد مؤخرا، ولم ينزل علينا المن ولا السلوى الموعودان في تلك الحقب المظلمة.

 

ثم إن المنطق يقول أن الشعب الذي لا يملك أيا من أوراق القوة سواء الاقتصادية أو العسكرية ، لا ينبغي أن يتخلى عن ورقة قوته الوحيدة وهي الورقة السياسية و إن تمثلت ببرلمان مهلهل يحل بين الفينة والأخرى.

نعم، ليست هذه التجربة الناقصة غاية الطموح لكن التخلي عنها بدل تطويرها لهو غاية التخلف. 

 

ولسائل أن يسأل، ماذا أعطت الحياة النيابية الكويتيين من مكاسب؟ وهنا لا بد من تخيل السيناريو البديل...كيف سيكون الوضع بلا برلمان؟ ولا نجد مندوحة من المقارنة مع دول الجوار، فلولا لطف الله والحياة البرلمانية لم يكن لنا أن ننتقد هذه التجربة أصلا ولا أن نفكر بتطويرها! ولكان في البلد رأي واحد وصوت واحد، يشبه صوت أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب، بل مجرد أزيز كأزيز الذباب الالكتروني في خليجنا العربي. ولأصبح الكويتي مدجنا كما أصبح غيره، ولأصبح الشعب بين مطبل منافق، وناقم صامت أو سجين بائس، وليس هذا من المبالغة، بل هو ديدن الحكم الفردي أجارنا الله – وحكامنا – منه. ولعل إجابة النائب السابق د.عبدالعزيز الصقعبي على السؤال المليوني هل سيتغير الواقع بالذهاب للانتخاب؟ فأجاب بأننا لا نعلم ذلك، لكن ما نعلمه قطعا، أننا إن لم ننتخب فالوضع سيكون أسوأ، وهذا بالتجربة والدليل!

https://twitter.com/Linknewskw/status/1656272663311007745?s=20

 

قد يحجب الإحباط رؤية الواقع لمن يشعر بسخافة الوضع حين يذهب للتصويت كل بضعة شهور، لكن من يرى المشهد من الخارج، يبدو له الواقع أكثر وضوحا بسلبياته وايجابياته، وأدعو الأفاضل للاستماع لمقاطع السعودي عمر بن عبدالعزيز -مع عدم اتفاقي مع كل ما يقول- حين يتحدث عن ضرورة التمسك ببرلمان الكويت ، فهذه التجربة الناقصة – رغم عيوبها – يجب ان تنمو لا ان تستأصل، وهي في حد ذاتها كانت -ولا تزال – تشكل خطوة تقدمية جدا مقارنة بالمحيط العربي حولها.

نعم، النبتة التي زرعت في ١٩٦٢ لم تنم لتصبح شجرة وارفة، لكنها لا تزال تبعث بصيصا من الأمل، والواجب سقيها ورعايتها بدلا من اجتثاثها، ثم الارتماء في حضن التخلف العربي المحيط بنا.



 

و لو أني وضعت على رأسي عمامة الفتيا، لقلت بلا تردد أن الانتخابات كأكل الميتة، نأكلها اليوم اضطرارا  ومن لا يأكلها يموت. و أي موت أشد لهذا الشعب الحي من أن يتحول لمجموعة داجنة من الرعايا لا صوت لهم ولا رأي كبقية إخوانهم في بلاد العرب الكبيرة، وهو ما لم يألفوه منذ ٤٠٠ عام ، غير أن اضطرارنا للميتة لا ينبغي أن يبعدنا عن السعي دوما لطعام أطيب، ونظام سياسي أفضل ! فالميتة تبقى ميتة ومن خداع النفس الانغماس بالتلذذ بأكل هذه الميتة الديمقراطية والكذب على أنفسنا بأن لا عيب فيها ، ليحجبنا ذلك عن السعي لتطوير الدستور وإصلاح طريقة إدارة البلد. الواقعية تحتم المشاركة في الانتخابات – اضطرارا - بإيصال الأفضل للدفاع عن ما تبقى من مكتسبات و حقوق، وفي نفس الوقت، فإن ذات الواقعية تستوجب عدم تقديس التجربة الناقصة التي نعيشها، والسعي لإصلاحها. اللعبة مرسومة وقواعدها محددة منذ ٦ عقود، الغبي فقط من يتخيل أن بدخوله للمجلس سيتمكن من تغيير دفة السفينة نحو الإصلاح، والأغبى منه من يصدقه في ذلك فينتخبه على هذا الأساس ليحبط بعدها ويتذمر. نعم، نحن نشارك في اللعبة ليس لأننا نعتقد بأنها ستغير المستقبل، بل لدفع الضرر فقط والمحافظة على المتبقي، لكن الهدف الأسمى هو تغيير قواعد هذه اللعبة – دستور ٦٢- للأفضل ولمصلحة الوطن وحكامه وأبنائه جميعا. فعين على صندوق الانتخاب للمحافظة على القليل الموجود ، وعين أخرى ثاقبة تسعى لتبديل الدستور الحالي البالي بآخر يساعد أبناء الوطن كلهم على بناء الوطن ونهضته.

 

كل الميتة مضطرا كي لا تموت، ولا تقنع بها بل ابحث عن طعام أزكى لأطفالك