Friday, 29 September 2023

الكويت..في معارك تويتر

  أكتب هذه الكلمات تحت ظلال سيوف المعارك الافتراضية المحتدمة في الآونة الأخيرة بين مغردي الخليج، والتي وجد الكويتيون أنفسهم فيها فجأة قطبا لرحاها دون سبب مفهوم، ولا ذنب مجترح، فلا تكاد تضع حزب أوزارها إلا وشمرت أخرى تافهة مثلها عن ساقها، يتيه فيها الحكيم ويغضب الحليم. كل هذا وليس في الأمر ثأر يدرك ولا قتيل يطلب! بل جعجعة دون طحين وقعقعة دون غبار.

 

لكن الأمر يدعو للتأمل، لأنه لم يكن معتادا، ولأن الإسفين يراد أن يدق بين أهل وأقارب وليس بين أغراب وأجانب. ولقائل أن يقول أن الأمر تافه ولا يعدو كونه مهاترات صبيانية لا تسمن ولا تغني من جوع. لكن الحق أن الواقع غير ذلك، فالحروب الإعلامية التي كانت تتخذ من الصحف والتلفزيونات والإذاعات أسلحة لها، باتت اليوم تتخذ وسائل التواصل الاجتماعي ساحة وميدانا وصندوق بريد ترسل من خلاله الرسائل. ثم إن الملاحظ أن الاستهداف لم يعد مقتصرا على مجاهيل ونكرات، فهو قد بدأ بما يعرف بالذباب الالكتروني، ثم انتقل إلى ما يسمى بصانعي المحتوى، وانتهى مؤخرا بالتنظير الرسمي من المثقفين..أو أشباههم. وهذا لو صدر ممن يعيشون في بلد منفتح الأجواء لكان للصدفة محل من الإعراب، أما وأنه يصدر من بلدان عرفت بالانضباط والتوجيه فإن وراء الأكمة ما وراءها.

 

وإذا سلمنا بأن الاستهداف مقصود، فلا بد أن نبحث له عن سبب منطقي وجيه، دون مبالغة وتهويل ولا تصغير وتأويل. ونضرب هنا صفحا عن الأسباب العاطفية كالغيرة والحسد وغيرها مما يصلح للنقاش في جلسات شاي الضحى، ومجالس العاطلين. وفي رأيي المتواضع، أن هناك أسبابا وجيهة لاستهداف النموذج الكويتي من قبل جميع الدول المجاورة المتشابهة ثقافة، والمختلفة نظاما ونموذجا.

هذه الأسباب تنقسم لأسباب داخلية لا شأن للكويت بها، وأخرى خارجية. أما الأسباب الداخلية فيجب أن نتفهم بأن دول الجوار تطرح نموذجا جديدا لشعوبها، وكعادة أي نموذج جديد فلا بد له من التسويق لإقناع الشعب بأن هذا النموذج هو الطريقة الأمثل لحياة أفضل ورخاء دائم. وكأي شركة تريد تسويق منتجها مع وجود منتجات مختلفة، فإن من المشروع تماما أن تعتمد سياسة التسويق للمنتج الجديد على إظهار عيوب المنتجات المختلفة. وقد ساق القدر للكويت أن يكون "منتجها" و"نموذجها" مختلفا تماما عن كل جوارها الجغرافي وامتدادها الثقافي. وهناك أيضا ذلك الخوف الكلاسيكي المبرر من انتقال عدوى "الحرية" أو "الديمقراطية" وإن كانت منقوصة إلى شعوب تستعد لاستقبال نموذج دولة جديد. فإذا كان النموذج الجديد سيحقق رخاء وتنمية، فإن أول سؤال سيتبادر إلى ذهن المواطن بعد أن يشبع, هو عن الحريات والحقوق والمشاركة في الإدارة، وهذه طبيعة إنسانية من الصعب كبتها أو التغافل عنها. لذا جاء الحل الذكي المثير للإعجاب بربط التنمية بالفردية في الإدارة، وإلصاق التخلف -بحق أو بدونه- بالديمقراطية والحرية. فبتنا نقرأ عشرات المقالات عن تلك الثنائية والتلازم الحتمي بين التنمية والفردية، وبين الحرية والتخلف رغم أنه لا تلازم منطقي بينها، لكنها كانت ضرورة سياسية، وقد نفذت باحترافية كبيرة تستحق الإعجاب.

أما الأسباب الأخرى، فإن المنطقة على مشارف زواج قسري بين دولها والكيان الصهيوني الغاصب، وتستعد لحفل الزفاف الكبير المرتقب ليعم الفرح والسرور وينتشر الخير والرخاء. ووسط هذا المشهد المليء بهجة وسعادة، تبدو دولة صغيرة شاذة على ضفاف شمال الخليج غير مسرورة بما يحصل وتبدي أشد التمنع عن المشاركة في هذا العرس الموعود.  وبما أن التطبيع يتم تسويقه بأنه جسر للرخاء والسلام والتنمية، فلا بد حينها من وصم معاقل رفض التطبيع بالتخلف والانحدار.

 

ولست هنا في مورد الدفاع عن التجربة الكويتية التي دخلت عامها الثاني بعد المئة – وان كانت جديرة بذلك- أو بيان محاسن هذه التجربة وأثرها على المجتمع الكويتي أو التحدث عما ينبغي للكويتي ان يفخر به، فلعل لذلك وقت آخر.

ما أريد قوله أن ما يحدث من مشاغبات صبيانية وغير صبيانية بين الإخوة، لا ينبع من ضغائن وأحقاد فردية ولا يعبر عن خلل في النسيج الاجتماعي الشعبي الخليجي المترابط بأواصر القرابة والنسب والجوار، وإنما هو رأس جبل الجليد الذي ينم عن صراع سياسي طبيعي بين نماذج الحكم في الدول، وهذا أمر ينبغي أن يستوعبه السياسيون الكويتيون ليعرفوا كيفية التعامل معه، بلا انفعال أو طفولية أو مجاملة.

 

وإذا أتينا لردة الفعل من الشعب الكويتي، فقد انقسموا إلى فئتين، الفئة الغالبة هي الفئة التي أخذتها العاطفة والحماس الوطني، فتحصنوا في متاريسهم وشرعوا بالدفاع عن كل ما هو كويتي بحق أو بباطل، غافلين عن أوجه الخلل التي يعرفونها كما يعرفون أبناءهم. أما الفئة الأخرى وهي القلة لكنها ذات الطرح الأخطر، فتتمثل في أولئك الذين يروجون -بارتزاق أو بسذاجة- لفكرة أن حرية الشعب هي عائقه الأول عن التنمية، وأن مفتاح الخلاص بيد المستبد المستنير وحده. وهؤلاء يجهلون أو يتجاهلون أن ريادة الكويت وأوج قدرتها كانت في عنفوان ديمقراطيتها، كما يخلطون عمدا بين صلاح "النموذج في الحكم" و"سوء الإدارة" التي أدت لبعض السلبيات، فالنظام الديمقراطي أو شبه الديمقراطي بمثابة الهيكل الأسود المتين ذي الأساسات الراسخة الذي لا يمنع التفنن والإبداع في تصميم البيت الداخلي، بل يعطي المصمم مساحة أكثر للإبداع، بخلاف البيت المزين بديكور وزخارف لكن بنيانه أسس على شفا جرف هار فانهار. يريد هؤلاء من الشعب الذي ناضل لعقود من أجل حقوقه أن يعود القهقرى ليرهن مصير أجياله بيد الصدفة البيولوجية، فتصيب مرة بالإتيان بمستبد عادل وقد تأتي مرة أخرى بمخبول تُسلم له حصرا مصالح البلاد والعباد. ولا أظن أحدا في الكويت يشرئب عنقه للعبة القمار الخطرة هذه. 

 

أما الحصيف من السياسيين الكويتيين – وهم قلة نادرة مع الأسف – في السلطة والبرلمان، فلا بد أن توقظهم مثل هذه النقاشات التي تصبح أكثر جدية وإلحاحا يوما بعد يوم، إلى التنبه لضرورة الدفاع عن نموذجهم السياسي بتطويره لا بوأده، والتعرف على مكامن الخلل في النظام الإداري التي لم تعد خافية على رجل الشارع والسعي لإصلاح ذلك بجدية، فالترهل الحكومي بات ككرة الثلج في التضخم شيئا فشيئا حتى يجرف معه نموذجنا بأكمله. الحل لن يكون بتجاهل الرسائل الواردة من دول الجوار بحجة أنها "شقاوة عيال"، لأن سهام الهجوم ستزداد ولا بد من التعامل معها بحكمة. ولن يكون الحل برمي الأشقاء بالغيرة او غض الطرف عن التحديات الحقيقية والاكتفاء بالتغني بالأمجاد الغابرة وسماع الأغاني الوطنية التي تجلب رضا نفسيا زائفا، بل الحل بالجد في تطوير النظام الدستوري نحو مشاركة أكبر وإعادة هيكلة النظام الإداري من جديد بحوكمة متقنة ليصبح بيئة خصبة للإنتاج والإبداع، فالكويت بحرياتها وروحها هي البلد الأمثل للفرص العظيمة، كما كانت دائما.