Friday, 29 September 2023

الكويت..في معارك تويتر

  أكتب هذه الكلمات تحت ظلال سيوف المعارك الافتراضية المحتدمة في الآونة الأخيرة بين مغردي الخليج، والتي وجد الكويتيون أنفسهم فيها فجأة قطبا لرحاها دون سبب مفهوم، ولا ذنب مجترح، فلا تكاد تضع حزب أوزارها إلا وشمرت أخرى تافهة مثلها عن ساقها، يتيه فيها الحكيم ويغضب الحليم. كل هذا وليس في الأمر ثأر يدرك ولا قتيل يطلب! بل جعجعة دون طحين وقعقعة دون غبار.

 

لكن الأمر يدعو للتأمل، لأنه لم يكن معتادا، ولأن الإسفين يراد أن يدق بين أهل وأقارب وليس بين أغراب وأجانب. ولقائل أن يقول أن الأمر تافه ولا يعدو كونه مهاترات صبيانية لا تسمن ولا تغني من جوع. لكن الحق أن الواقع غير ذلك، فالحروب الإعلامية التي كانت تتخذ من الصحف والتلفزيونات والإذاعات أسلحة لها، باتت اليوم تتخذ وسائل التواصل الاجتماعي ساحة وميدانا وصندوق بريد ترسل من خلاله الرسائل. ثم إن الملاحظ أن الاستهداف لم يعد مقتصرا على مجاهيل ونكرات، فهو قد بدأ بما يعرف بالذباب الالكتروني، ثم انتقل إلى ما يسمى بصانعي المحتوى، وانتهى مؤخرا بالتنظير الرسمي من المثقفين..أو أشباههم. وهذا لو صدر ممن يعيشون في بلد منفتح الأجواء لكان للصدفة محل من الإعراب، أما وأنه يصدر من بلدان عرفت بالانضباط والتوجيه فإن وراء الأكمة ما وراءها.

 

وإذا سلمنا بأن الاستهداف مقصود، فلا بد أن نبحث له عن سبب منطقي وجيه، دون مبالغة وتهويل ولا تصغير وتأويل. ونضرب هنا صفحا عن الأسباب العاطفية كالغيرة والحسد وغيرها مما يصلح للنقاش في جلسات شاي الضحى، ومجالس العاطلين. وفي رأيي المتواضع، أن هناك أسبابا وجيهة لاستهداف النموذج الكويتي من قبل جميع الدول المجاورة المتشابهة ثقافة، والمختلفة نظاما ونموذجا.

هذه الأسباب تنقسم لأسباب داخلية لا شأن للكويت بها، وأخرى خارجية. أما الأسباب الداخلية فيجب أن نتفهم بأن دول الجوار تطرح نموذجا جديدا لشعوبها، وكعادة أي نموذج جديد فلا بد له من التسويق لإقناع الشعب بأن هذا النموذج هو الطريقة الأمثل لحياة أفضل ورخاء دائم. وكأي شركة تريد تسويق منتجها مع وجود منتجات مختلفة، فإن من المشروع تماما أن تعتمد سياسة التسويق للمنتج الجديد على إظهار عيوب المنتجات المختلفة. وقد ساق القدر للكويت أن يكون "منتجها" و"نموذجها" مختلفا تماما عن كل جوارها الجغرافي وامتدادها الثقافي. وهناك أيضا ذلك الخوف الكلاسيكي المبرر من انتقال عدوى "الحرية" أو "الديمقراطية" وإن كانت منقوصة إلى شعوب تستعد لاستقبال نموذج دولة جديد. فإذا كان النموذج الجديد سيحقق رخاء وتنمية، فإن أول سؤال سيتبادر إلى ذهن المواطن بعد أن يشبع, هو عن الحريات والحقوق والمشاركة في الإدارة، وهذه طبيعة إنسانية من الصعب كبتها أو التغافل عنها. لذا جاء الحل الذكي المثير للإعجاب بربط التنمية بالفردية في الإدارة، وإلصاق التخلف -بحق أو بدونه- بالديمقراطية والحرية. فبتنا نقرأ عشرات المقالات عن تلك الثنائية والتلازم الحتمي بين التنمية والفردية، وبين الحرية والتخلف رغم أنه لا تلازم منطقي بينها، لكنها كانت ضرورة سياسية، وقد نفذت باحترافية كبيرة تستحق الإعجاب.

أما الأسباب الأخرى، فإن المنطقة على مشارف زواج قسري بين دولها والكيان الصهيوني الغاصب، وتستعد لحفل الزفاف الكبير المرتقب ليعم الفرح والسرور وينتشر الخير والرخاء. ووسط هذا المشهد المليء بهجة وسعادة، تبدو دولة صغيرة شاذة على ضفاف شمال الخليج غير مسرورة بما يحصل وتبدي أشد التمنع عن المشاركة في هذا العرس الموعود.  وبما أن التطبيع يتم تسويقه بأنه جسر للرخاء والسلام والتنمية، فلا بد حينها من وصم معاقل رفض التطبيع بالتخلف والانحدار.

 

ولست هنا في مورد الدفاع عن التجربة الكويتية التي دخلت عامها الثاني بعد المئة – وان كانت جديرة بذلك- أو بيان محاسن هذه التجربة وأثرها على المجتمع الكويتي أو التحدث عما ينبغي للكويتي ان يفخر به، فلعل لذلك وقت آخر.

ما أريد قوله أن ما يحدث من مشاغبات صبيانية وغير صبيانية بين الإخوة، لا ينبع من ضغائن وأحقاد فردية ولا يعبر عن خلل في النسيج الاجتماعي الشعبي الخليجي المترابط بأواصر القرابة والنسب والجوار، وإنما هو رأس جبل الجليد الذي ينم عن صراع سياسي طبيعي بين نماذج الحكم في الدول، وهذا أمر ينبغي أن يستوعبه السياسيون الكويتيون ليعرفوا كيفية التعامل معه، بلا انفعال أو طفولية أو مجاملة.

 

وإذا أتينا لردة الفعل من الشعب الكويتي، فقد انقسموا إلى فئتين، الفئة الغالبة هي الفئة التي أخذتها العاطفة والحماس الوطني، فتحصنوا في متاريسهم وشرعوا بالدفاع عن كل ما هو كويتي بحق أو بباطل، غافلين عن أوجه الخلل التي يعرفونها كما يعرفون أبناءهم. أما الفئة الأخرى وهي القلة لكنها ذات الطرح الأخطر، فتتمثل في أولئك الذين يروجون -بارتزاق أو بسذاجة- لفكرة أن حرية الشعب هي عائقه الأول عن التنمية، وأن مفتاح الخلاص بيد المستبد المستنير وحده. وهؤلاء يجهلون أو يتجاهلون أن ريادة الكويت وأوج قدرتها كانت في عنفوان ديمقراطيتها، كما يخلطون عمدا بين صلاح "النموذج في الحكم" و"سوء الإدارة" التي أدت لبعض السلبيات، فالنظام الديمقراطي أو شبه الديمقراطي بمثابة الهيكل الأسود المتين ذي الأساسات الراسخة الذي لا يمنع التفنن والإبداع في تصميم البيت الداخلي، بل يعطي المصمم مساحة أكثر للإبداع، بخلاف البيت المزين بديكور وزخارف لكن بنيانه أسس على شفا جرف هار فانهار. يريد هؤلاء من الشعب الذي ناضل لعقود من أجل حقوقه أن يعود القهقرى ليرهن مصير أجياله بيد الصدفة البيولوجية، فتصيب مرة بالإتيان بمستبد عادل وقد تأتي مرة أخرى بمخبول تُسلم له حصرا مصالح البلاد والعباد. ولا أظن أحدا في الكويت يشرئب عنقه للعبة القمار الخطرة هذه. 

 

أما الحصيف من السياسيين الكويتيين – وهم قلة نادرة مع الأسف – في السلطة والبرلمان، فلا بد أن توقظهم مثل هذه النقاشات التي تصبح أكثر جدية وإلحاحا يوما بعد يوم، إلى التنبه لضرورة الدفاع عن نموذجهم السياسي بتطويره لا بوأده، والتعرف على مكامن الخلل في النظام الإداري التي لم تعد خافية على رجل الشارع والسعي لإصلاح ذلك بجدية، فالترهل الحكومي بات ككرة الثلج في التضخم شيئا فشيئا حتى يجرف معه نموذجنا بأكمله. الحل لن يكون بتجاهل الرسائل الواردة من دول الجوار بحجة أنها "شقاوة عيال"، لأن سهام الهجوم ستزداد ولا بد من التعامل معها بحكمة. ولن يكون الحل برمي الأشقاء بالغيرة او غض الطرف عن التحديات الحقيقية والاكتفاء بالتغني بالأمجاد الغابرة وسماع الأغاني الوطنية التي تجلب رضا نفسيا زائفا، بل الحل بالجد في تطوير النظام الدستوري نحو مشاركة أكبر وإعادة هيكلة النظام الإداري من جديد بحوكمة متقنة ليصبح بيئة خصبة للإنتاج والإبداع، فالكويت بحرياتها وروحها هي البلد الأمثل للفرص العظيمة، كما كانت دائما.

Friday, 19 May 2023

الانتخابات و أكل الميتة

  مع كل عثرة -متوقعة- للتجربة الشبيهة بالديمقراطية في الكويت، تخرج أصوات لم تعذ نشازا لتعزف المعزوفة الكلاسيكية: "مو قلنا لكم المشكلة بالمجلس"، " شوفوا دور مدارنا"، "المجلس سبب بلائنا" إلى أخر مقاطع السيمفونية الشهيرة.. مع دعاية خجولة من قبل المتثيقفين للبطل الخرافي الوهمي المسمى "المستبد المستنير"

 

والحق أن هذه الأصوات باتت أكثر عددا و أعلى صخبا ، ولا يلام أصحابها على هذا التفكير بعد المجازر الدستورية التي ارتكبتها السلطة وبحد أقل غوغاء النواب حتى جعلوا الدولة أضحوكة للعالمين، وصنعوا من تلك التجربة الرائدة مسرحية هزلية مجانية المشاهدة لشعوب المنطقة بعد ما كانت مثالا تشرئب إليها أعناقهم. مهمة الدفاع عن تجربتنا الديمقراطية و دستورنا العتيد أضحت أكثر صعوبة مع كل هذه الأمثلة السيئة التي تعرضها هذه التجربة للقريب والبعيد، ففي النهاية الناس تهتم بالثمرة على أرض الواقع وهي ما يحدد حكمها على التجارب بالنجاح أو الفشل. لذا لم يعد مقنعا التشدق بالشعارات الديمقراطية التي لم تمنع الحصى من التطاير ولم تردع لصا عن السرقة.. بل علينا أن نقدم جوابا منطقيا هادئا يحترم عقول الناس عن سبب اصطفافنا المتكرر في طوابير الاقتراع، دون تشغيل مكبرات الصوت بالأغاني الوطنية

 

فالسؤال المنطقي الذي يحتاج إجابة منطقية أيضا... هل نحن بهذه السذاجة لنذهب كل بضعة أشهر لننتخب برلمانا لتحله السلطة كلما اشتهت؟ أو تبطله بجرة قلم بلا أدنى اعتبار لمئات الآلاف الذين تجشموا عناء الوقوف في الطوابير! ثم هل نحن بهذه البساطة لنصدق المرشح تلو المرشح وهو يسرد لنا أحلامه الخيالية في إصلاح البلد، وكأننا نقرأ كتيبا من مكتبة جرير بعنوان " كيف تجعل الكويت دولة عظمى في أسبوع" ! 

 

إجابتي ببساطة، لا. لسنا بهذه السذاجة. لكننا لسنا بذلك الغباء لنترك برلمانا – وإن كان ناقص الصلاحيات – وندخل إلى قفص الحكم الفردي طائعين. و أي بلاء أعظم من تصور أن الاستبداد هو ما سيحل مشاكل البلد ! وغني عن القول أن من يريد الاستبداد هو من يروج بقوة لفكرة ان الديمقراطية سبب البلاء ، وليس فشل رجال الدولة في إدارتها، وهو الأمر الذي لا شأن للمبنى الأبيض القابع على سيف البحر أدنى علاقة به. ولن أجتر هنا الذكريات الأليمة لفشل الحكومة الفردية في إدارة الدولة في سنوات تعليق البرلمان في السبعينات والثمانينات، بل وحتى في فترة البرلمان الشكلي في العقد الأخير الذي عاصرناه، وما جرته علينا حكومات الرأي الواحد من كوارث من مناخ و غزو وانتهاء بتصفير احتياطيات البلد مؤخرا، ولم ينزل علينا المن ولا السلوى الموعودان في تلك الحقب المظلمة.

 

ثم إن المنطق يقول أن الشعب الذي لا يملك أيا من أوراق القوة سواء الاقتصادية أو العسكرية ، لا ينبغي أن يتخلى عن ورقة قوته الوحيدة وهي الورقة السياسية و إن تمثلت ببرلمان مهلهل يحل بين الفينة والأخرى.

نعم، ليست هذه التجربة الناقصة غاية الطموح لكن التخلي عنها بدل تطويرها لهو غاية التخلف. 

 

ولسائل أن يسأل، ماذا أعطت الحياة النيابية الكويتيين من مكاسب؟ وهنا لا بد من تخيل السيناريو البديل...كيف سيكون الوضع بلا برلمان؟ ولا نجد مندوحة من المقارنة مع دول الجوار، فلولا لطف الله والحياة البرلمانية لم يكن لنا أن ننتقد هذه التجربة أصلا ولا أن نفكر بتطويرها! ولكان في البلد رأي واحد وصوت واحد، يشبه صوت أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب، بل مجرد أزيز كأزيز الذباب الالكتروني في خليجنا العربي. ولأصبح الكويتي مدجنا كما أصبح غيره، ولأصبح الشعب بين مطبل منافق، وناقم صامت أو سجين بائس، وليس هذا من المبالغة، بل هو ديدن الحكم الفردي أجارنا الله – وحكامنا – منه. ولعل إجابة النائب السابق د.عبدالعزيز الصقعبي على السؤال المليوني هل سيتغير الواقع بالذهاب للانتخاب؟ فأجاب بأننا لا نعلم ذلك، لكن ما نعلمه قطعا، أننا إن لم ننتخب فالوضع سيكون أسوأ، وهذا بالتجربة والدليل!

https://twitter.com/Linknewskw/status/1656272663311007745?s=20

 

قد يحجب الإحباط رؤية الواقع لمن يشعر بسخافة الوضع حين يذهب للتصويت كل بضعة شهور، لكن من يرى المشهد من الخارج، يبدو له الواقع أكثر وضوحا بسلبياته وايجابياته، وأدعو الأفاضل للاستماع لمقاطع السعودي عمر بن عبدالعزيز -مع عدم اتفاقي مع كل ما يقول- حين يتحدث عن ضرورة التمسك ببرلمان الكويت ، فهذه التجربة الناقصة – رغم عيوبها – يجب ان تنمو لا ان تستأصل، وهي في حد ذاتها كانت -ولا تزال – تشكل خطوة تقدمية جدا مقارنة بالمحيط العربي حولها.

نعم، النبتة التي زرعت في ١٩٦٢ لم تنم لتصبح شجرة وارفة، لكنها لا تزال تبعث بصيصا من الأمل، والواجب سقيها ورعايتها بدلا من اجتثاثها، ثم الارتماء في حضن التخلف العربي المحيط بنا.



 

و لو أني وضعت على رأسي عمامة الفتيا، لقلت بلا تردد أن الانتخابات كأكل الميتة، نأكلها اليوم اضطرارا  ومن لا يأكلها يموت. و أي موت أشد لهذا الشعب الحي من أن يتحول لمجموعة داجنة من الرعايا لا صوت لهم ولا رأي كبقية إخوانهم في بلاد العرب الكبيرة، وهو ما لم يألفوه منذ ٤٠٠ عام ، غير أن اضطرارنا للميتة لا ينبغي أن يبعدنا عن السعي دوما لطعام أطيب، ونظام سياسي أفضل ! فالميتة تبقى ميتة ومن خداع النفس الانغماس بالتلذذ بأكل هذه الميتة الديمقراطية والكذب على أنفسنا بأن لا عيب فيها ، ليحجبنا ذلك عن السعي لتطوير الدستور وإصلاح طريقة إدارة البلد. الواقعية تحتم المشاركة في الانتخابات – اضطرارا - بإيصال الأفضل للدفاع عن ما تبقى من مكتسبات و حقوق، وفي نفس الوقت، فإن ذات الواقعية تستوجب عدم تقديس التجربة الناقصة التي نعيشها، والسعي لإصلاحها. اللعبة مرسومة وقواعدها محددة منذ ٦ عقود، الغبي فقط من يتخيل أن بدخوله للمجلس سيتمكن من تغيير دفة السفينة نحو الإصلاح، والأغبى منه من يصدقه في ذلك فينتخبه على هذا الأساس ليحبط بعدها ويتذمر. نعم، نحن نشارك في اللعبة ليس لأننا نعتقد بأنها ستغير المستقبل، بل لدفع الضرر فقط والمحافظة على المتبقي، لكن الهدف الأسمى هو تغيير قواعد هذه اللعبة – دستور ٦٢- للأفضل ولمصلحة الوطن وحكامه وأبنائه جميعا. فعين على صندوق الانتخاب للمحافظة على القليل الموجود ، وعين أخرى ثاقبة تسعى لتبديل الدستور الحالي البالي بآخر يساعد أبناء الوطن كلهم على بناء الوطن ونهضته.

 

كل الميتة مضطرا كي لا تموت، ولا تقنع بها بل ابحث عن طعام أزكى لأطفالك

Friday, 7 April 2023

رأي غير دستوري.. بعد حكم الدستورية

 

بعد أن قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.. وحكمت المحكمة الدستورية -سددها الله- بإبطال المجلس الذي خرج نصف مليون كويتي لانتخابه بسبب خطأ إجرائي ، رغم تأكيد سمو ولي العهد في خطابه الشهير أنه سيتم التأكد من الإجراءات هذه المرة لئلا يقع البلد في دوامة الأخطاء الإجرائية من جديد...لكن المحكمة كان لها رأي آخر !  فلم تعبأ بالنصف مليون الذين خرجوا من بيوتهم، ولا بوعود سمو ولي العهد، ولا بالظروف السياسية -كما صرحت هي في منطوق حكمها-، بل اهتمت بالإجراءات والإجراءات فقط.. فليس شيء في البلاد أهم من سلامة الإجراءات...أما سلامة عقول الناس وصحتهم.. فليست داخلة في اختصاصات المحكمة... وعلى أي حال، فالمتضرر يلجأ لعيادات الصحة النفسية.. و ما أكثرها في هذا البلد

 

ولست أريد هنا نقد الحكم القضائي ، ولا أتجرأ على ذلك أصلا، فللقضاء رب يحميه .. ويسدده ويهديه..

وإنما أريد انتقاد هذه الثلة الساذجة المستضعفة في عقلها و المسماة "بالشعب"، والتي ابتلى الله بها حكومة هذا البلد، فجعلوا يتدخلون فيما يعنيهم و ما لا يعنيهم، وينازعون الأمر أهله !

 

فطفق رجل يريد من سمو رئيس الوزراء ان يكسر الصمت بإعلان موقف، و تجرأ آخر على طلب ذلك من ولي العهد نفسه! و راغ ثالث ينتقد القضاء وحكمه ، وراح رابع – وهو أغبى القوم – يتذاكى بتقديم الحلول والخيار تلو الخيار للسُلطة وهو بالكاد يعرف تقطيع خيار السَلطة ! أما دواوينهم -التي يخيل لهم من شدة الوهم أنها مراكز دراسات سياسية – فترى في كل زاوية فيها بضعة نفر لا يملكون تقييم الفطور في بيوتهم، يقيمون الوضع السياسي بلهجة كيسنجرية واثقة! أو يلتقي رهط منهم في طابور عيادات عافية فيتحدثون عن تحليل صراع أجنحة الأسرة، وهم إن تمنعت "عافية" عليهم، باتوا لا يملكون ثمن "تحليل" السكر في دمهم !

يا سادة، ما أنتم و ذاك؟ اعرفوا حجمكم ! يا أيها العامة – سياسيكم وعاميكم- كلكم عامة.. 

كلكم عوام، و إن طالت أعناقكم. و كلكم رعايا و إن مددتم أعينكم لما متع الله أزواجا "منهم" زهرة الحياة الدنيا ! و رحم امرأ عرف قدر نفسه ! ولا يهرفن امرؤ بما لا يعرف !

 

أما إن ضربنا عن الهزل و السخرية صفحا، فإن الحق ان تنشغلوا بإصلاح أنفسكم (كشعب) – وهو ما تقدرون عليه – عن إصلاح غيركم (السلطة) وهو مالا تقدرون عليه. فكما ورد في المأثور: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس".

و ليست هذه دعوة للاعتزال، بل على العكس تماما. إن هذا لهو السبيل الوحيد – في رأيي القاصر – لإصلاح النظام السياسي و إحياء هذا البلد الميت سريريا بتحسين إدارته. أو إن شئت فقل أنها دعوة لاعتزال المسرح السياسي الكوميدي والاتجاه الى العمل الحقيقي للإصلاح العام. هي دعوة للمشاركة الحقيقية في صنع مستقبل الوطن بعيدا عن خوض المعارك الدونكيشوتية مع طواحين الهواء التي تفرم اي طير من عوام الشعب يمر بها.

هناك سيناريوهان لا ثالث لهما وعلى المهتمين بالإصلاح ان يختاروا احدهما..

الاول، الصولة بيد جذاء !
و الاصرار بحماس على المشاركة من جديد في لعبة الحية والسلم ! و صرف كل الطاقات الشعبية لنحظى بدور الكومبارس في المسرحية الديمقراطية التي تتكرر فصولها منذ ٦٠ عاما ! فالمخرج ذات المخرج، والنهاية معروفة.. لكننا نستمتع بتصفيق الجمهور حين نصعد بأصواته على خشبة المسرح .. 
ثم ما تلك المتعة الغريبة في ان نكون دمى في صراع اجنحة ليس لنا فيه ناقة ولا جمل! فلا حكومة النواف ستقفز بالكويت لمصاف الدول العظمى، ولا مجلس ٢٠٢٢ شحيح بالأجراء والدهماء والغوغاء الذين لو أوكل اليهم امر البلد لذروه قاعا صفصفا بعد ان ينفقوا ما تبقى من امواله على موظف بليد أو ربة منزل كسلى! ولكرسوا مفهوم المواطن الكويتي المعاق الذي يستحق الهبات والمعونات دون ان يكون له أي دور في الإنتاج الحقيقي.
فهل مثل هذه الحكومة -ورئيسها- أو مثل هؤلاء السياسيين يستحقون التضحية بمزيد من الأثمان الغالية لإعادة المعاول لأيديهم لهدم ما تبقى من شخصية الوطن والمواطن!

 

والسؤال الذي يطرح نفسه، ما هو السيناريو البديل؟ وماذا نفعل ؟ أنتركها لفريق الفساد السابق بلاعبيه المعروفين من شيوخ وتجار؟

وفي الواقع أنا اعتقد ان هناك الكثير مما يمكن للمخلصين الشرفاء عمله بعيدا عن دوامة اللعبة السياسية الدستورية السخيفة الحالية، فالشعب اليوم أصبح أكثر اقتناعا بأن بلاءنا في دستور متقادم جمع خيوط اللعبة كلها في أيدي طرف واحد لتكون نتيجة اللعبة محكومة دائما لصالحه مهما تغير اللاعبون ! ونظام إداري ريعي فاشل يحول المواطنين لمجموعة من العجزة والاتكاليين !

 

الجواب يكمن بالسعي لتغيير قواعد اللعبة وإعادة بناء الوطن.. أو بصراحة أكثر تطوير الدستور وإعادة هيكلة كاملة للكويت الجديدة

 

و هنا أوجه كلامي للسياسيين الذين استطاعوا او يستطيعون جمع مختلف فئات المجتمع حولهم.. أيها السيدات والسادة، عليكم أن تسعوا لحوار وطني حقيقي، يجلس على مائدته كل فئات الشعب بمختلف مشاربه وتوجهاته ، ولتناقشوا كيف تريدون ان يكون شكل هذا الوطن في مستقبله القريب.. ناقشوا واختلفوا كما تشاؤون،  ثم قرروا:

ما هي هوية البلد؟ اشتراكي، أم رأسمالي، أم مزيج بينهما؟ علماني، مدني أم ديني؟ ما هي الثوابت والحريات لشعبه؟ ما هو الحل الاقتصادي الذي سنتبناه؟ ما هي الضمانات لعدم الانزلاق لواقع أكثر بؤسا مع دستور جديد؟ على أي أساس ستؤسس الأحزاب؟ وأين سيكون موقع الشيوخ والتجار في جمهورية أفلاطون الجديدة؟ و العشرات من الأسئلة الجوهرية التي لا يريد أحد نقاشها... 

فكلنا نركض خلف رايات الشعارات الفضفاضة و نخدع أنفسنا بأنا متفقون عليها كشعب في مقابل السلطة! ولنأخذ الحريات مثلا.. فكلنا يطالب بالحريات، والسلطة هي من تقف بوجهنا، و ولم نتعب أنفسنا بالسؤال: هل الحريات التي يطالب بها محمد هايف هي نفس الحريات التي يدافع عنها صالح الملا؟ وهل النظام الاقتصادي الذي يكرسه شعيب المويزري هو نفس النظام الذي يدعو له عبدالوهاب العيسى؟ 

نحن لا نعرف من مطالبنا سوى شعاراتها لكننا مختلفون تماما في معناها وتطبيقها.. نحن نريد اتباع الطريق السهل وتبسيط المعركة بجعل المعركة ذات طرفين خير و شر، فليس سوى شعب يطالب بالحريات والإصلاح وسلطة تقف على نقيضه...نجد الرضا النفسي في قول كلمة "كفو" لكل من يعارض دون أن نملك شجاعة فرز المفسد من المصلح والاجير من الشريف، والواعي من الأحمق !

 

اجلسوا يا سادة في حوار وطني حقيقي.. واتفقوا على مشروع وطني ومطالب حقيقية مفصلة...ثم أقنعوا الناس بأنكم تمثلونهم جميعا... و ثم فاوضوا السلطة وأقنعوها بأن مشروعكم سينقذ الجميع.. حينها سيعرف الناس لماذا يقفون معكم

 

دون ذلك.. ستهلكون أنفسكم و تتعبون الناس في لعبة دستورية جديدة -خصمكم فيها هو من يضع قواعدها-  وتظنون غباء في كل مرة أنكم ستفوزون، وتخوضون معارك هوائية تتخذون في كل مرة فيها بطلا أسطوريا جديدا تُنسج حوله أحلام الإصلاح إلى أن تتكسر على صخرة دستور ٦٢،  و ستظلون تصعدون السلالم حتى تظنون انكم تصلون للقمة، فتأكلكم الحية ملقية بكم في المربع الأول...ولا عزاء للأغبياء

 

 

 

 

ملاحظة: كتب هذا المقال قبل تصريح رئيس برلمان ٢٠٢٠ ضد رئيس الحكومة، والذي أعاد المعادلة الثنائية البسيطة التي يعشقها البسطاء لسهولتها : الاصطفاف خلف بطل أسطوري ضد قطب الفساد، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة.