لن أفتتح كلامي كما فعل العديد بالثناء على المشروع لمجرد كونه الأول من نوعه، بل في اعتقادي أن لا تأتي بمشروع خير من أن تطرح مشروعا متعجلا مشوها، وذلك لأن مشروعا بهذا الحجم ينبغي ان يكون مشروع انقاذ وطن فالكويت تمر بمخاض سياسي ووجودي عسير يفتح الباب لمراجعة جميع قواعد ادارة البلاد، وهذه الاوضاع الفوضوية هي عادة الفترة التي تسبق ثورة الامم على واقعها السيء لتخرج بولادة جديدة للاوطان تكفل المضي قدما لعقود اخرى بين بلدان العالم، ومن هنا فمن الاهمية بمكان ان نخرج بمشروع متكامل يعالج جميع جذور المشاكل في شتى المجالات ليحظى بتوافق ابناء الوطن عليه ويبني البلاد من جديد. أما ان نتعجل او تتفرد جماعة بمشروع مشوه ففيه خطر كبير لان فرصة المراجعة الشاملة لنظام البلد قد لا تتسنى مرة اخرى لعقود من الزمن نظل فيها سجناء لنظام سياسي مختل ثانية. فصحيح ان المثل يقول ان تشعل شمعة خير من ان تلعن الظلام،لكن ان تصبح وتمسي بلعن الظلام خير الف مرة من ان تعطي الشمعة لطفلك فيحرق البيت كله!
وادخل في صلب الموضوع بنقد ما جاء في مشروع الاصلاح السياسي لائتلاف المعارضة، وسألخصه على شكل نقاط لم ارتبها على حسب الاهمية، مسهبا في عرضها لتتضح الفكرة. وأقسمها لملاحظات عامة، وأخرى تفصيلية:
الملاحظات العامة:
١- هناك علامات استفهام كبيرة على توقيت طرح المشروع والتعجل فيه، ولا يمكن القول بأن هذه الفترة استغلت لتدارس الموضوع، فبيان التقدمي (وهو جزء أساسي من الإئتلاف) يكشف بوضوح أن الموضوع لم يفعل الا بأيام قلائل فقط قبل الإعلان الرسمي عنه، اي انه أعد من قبل بعض اطراف الائتلاف ثم عرض على البقية ليقبلوا به!
٢- جاء المشروع كثير المواد لكن اغلبها كان شكليا بينما ظلت المواد الأساسية مبهمة
٣- اقتصر المشروع على الاصلاح السياسي بشكل اساسي وعلى الحكومة المنتخبة بالذات، و اغفل باقي جوانب الديمقراطية وحصرها كلها في صندوق! ناهيك عن اغفاله اصلا لباقي جوانب الخلل والفساد في البلاد في كل المجالات.
٤- كما اسلفنا، تمر الكويت اليوم بمخاض عسير، وهذه الفترات من تاريخ الأمم هي الأدق ففيها يتحدد مصيرها المستقبلي، بمعنى أنه قد لا تتأتى للكويت فرصة اخرى في المستقبل القريب لإعادة إصلاح نظامهم السياسي، وعليه يجب أن يكون المشروع هنا متكاملا ويحظى بإجماع وطني فلا يكفي فيه بعض الايجابيات بل يجب ان يكون مقبولا وشاملا
٥- ائتلاف المعارضة إنما تأسس اعتراضا على تفرد السلطة، لكنه يريد منا أن نقبل مشروعه الذي (تفرد) هو به! فلم يقبلوا بحوار وطني-كما دعا له د.عبيد الوسمي مثلا- ليشاركهم عموم الشعب، بل ولم يقبلوا حتى ملاحظات من كانوا معهم في الحراك والائتلاف كالتيار التقدمي مثلا! ولك ان تقول انه مشروع تفرد جماعة اعتراضا على تفرد أخرى!
٦- دستور الكويت الحالي -على مافيه من خلل- حظي بتوافق الشعب والسلطة معا، وانتخب كل الكويتيين مجلسا ليكتبه واستعانوا بخبراء في هذا المجال، أما مشروع الائتلاف فيريد أن يفرض علينا (بالقوة) دستورا جديدا كتبه على عجالة أناس لاخبرة دستورية لهم ولاتخصص ولم ينتخبهم الشعب لكتابته.
٧- نعود لتكرار مناقشة قديمة هنا وهي ان الخلل ليس في النظرية بل في التطبيق! والكتل الرئيسية التي كتبت المشروع معروفة بتناقضها النظري والعملي مع ما تمنينا به من نظريات! ونعود لنجتر الإشكال الرئيسي الذي لم نجد له إجابة حتى الآن: هل يمكن الوثوق بفاسد ليقود مشروع إصلاح؟!
٨- يخلو المشروع من اي إطار فلسفي أو تنظيري لشكل الدولة، فهو يريد السلطة والسلطة فقط بأي شكل كان! ولا يتطرق لمناقشة اذا ما كان يريد دولة مدنية او ليبرالية او تطبيق الشريعة الاسلامية! وهذه امور جوهرية يختلف فيها الكويتيون منذ عقود وتجاوزها بهذا الشكل يدل على ان الجماعة يريدون كرسيا ولا يهمهم شكله! انا لا أدعو هنا لنظرية معينة -وان كان لي رأيي- ولكن اقول انها يجب ان تناقش الآن ويتفق على صيغة لنتجنب الصراع في المستقبل. وانا هنا اتفق مع بعض الاسلاميين الذين اصروا على تضمين المادة الثانية سابقا في النقاش، لانك لن تعدل الدستور كل اسبوعين بل قد تمر ٦٠ سنة قبل تعديله مرة اخرى! فلم اغفال هذا الجانب المهم؟اما تحفظ حدس الشكلي على المادة٧٩ فهو تزويق لذر الرماد في العيون كما اوضح احد اعضاء التيار التقدمي
٩-أسهبت المقدمة في بيان أوجه الفساد الاداري والاقتصادي وخلل التنمية، والنزاع القبلي الطائفي! ولكن عندما وصل هؤلاء نفسهم للسلطة (في المجلس المبطل الاول) لم تكن هذه اولوياتهم ابدا! بل الأطراف الأساسية التي كتبت المشروع مشارك أساسي في اغلب ما ذكروه من فساد! وأمثلة ذلك كثيرة كالبدون، والخدمات التعليمية،وعمليات النهب والتنفع،والرشوة والنزاع الطائفي،والاتفاقية الامنية
١٠- غني عن القول ان كثيرا من الكويتيين اليوم يرون نفس الاهداف كالحكومة المنتخبة مثلا، لكن نقطة الخلاف الاهم هي في كيفية تحقيقها! وهو ما لم يتعرض له المشروع من قريب ولا بعيد! بل الأخطر أنه بعد طرحه بساعات خرج أحد الشخصيات البارزة منهم ليقول ان المسيرة القادمة لن تكون سلمية! فهل هذه إشارة لفرض رؤيتهم السياسية على المجتمع بالقوة؟
١١-يبدو اننا في الكويت لانتعلم من تجاربنا، فاما ان نعطي كل شيء او نأخذ كل شيء وتماما كما فشلت تجربة مجلس٣٨ لان المجلس اراد اخذ كل شيء ولم يكن واقعيا، فهذا المشروع يحذو حذوه في عدم الواقعية في المطالب والتلهف للسيطرة على كل مفاصل الدولة، ولو كان اصحاب المشروع يملكون قليلا من الواقعية لسألوا انفسهم، لماذا تقدم اسرة حاكمة تملك كل شيء على تسليم كل مقاليد الحكم لهم طواعية والتنحي تماما عن الساحة سيما وهي تحظى بشعبية لاتنكر رغم احباط الشارع من سياساتها! و كما قيل، اذا اردت ان تطاع فاطلب المستطاع
أما الملاحظات التفصيلية على مواد المشروع:
١-انه يدعو لحكومة برلمانية! اي ان الرئيس والوزراء يجب ان يكونوا من البرلمان، ولا يمكن تعيين احد من خارجه! ولعمري كيف نطور البلد اذا لمً نستطع توزير اصحاب الكفاءات والخبرات وحملة الشهادات العليا! واستعضنا عنهم بنواب ينتخبون على اساس قبلي او طائفي ولايملكون خبرة او شهادة! ولايعني هذا الكل، لكن حصر الوزارة بالنواب مضر وقاتل للابداع، و يحصر خياراتنا في بضعة نواب قد يكونون مخلصين لكن لايملكون الخبرة في الادارة.
٢- ان أحد مشاكل الدستور الحالي كانت في كون الوزراء اعضاء في البرلمان يحق لهم التصويت وهم اكبر كتلة برلمانية،فتستطيع الحكومة تمرير ما تشاء بغطاء (ديمقراطي)! وفي مشروع المعارضة أعطي ا ذلك الحق للوزراء ايضا، فهم الغالبية الفائزة ويحتفظون بمقاعدهم ويصوتون في البرلمان! اي انه لن تكون اي معارضة لهم ابدا! فهم السلطة وهم اغلبية البرلمان!
وبالتالي فما سيتغير هو الشكل فقط وسننتقل من ما يسمونه استبداد السلطة الآن الى استبداد ائتلاف المعارضة! بل الأدهى والأمر أن طرح الثقة بالوزراء ورئيسهم في الدستور الحالي لايشارك فيه الوزراء، أما في مشروع المعارضة فيشاركون في التصويت! أي أن أقوى أداة في يد البرلمان ستكون حبرا على ورق ولن تطرح الثقة بأي وزير ابدا!
٣- ادعى اصحاب المشروع انه مشروع اصلاح دستوري كبير يشمل ٣٦ مادة، والحقيقة ان المشروع فصل فقط في شرح الحكومة البرلمانية التي يريدها والمحكمة الدستورية التي فصلها على مقاسه،، وجاءت بقية المواد تعديلات شكلية على الصياغة لحذف اسم الأمير من مواد الدستور وجعلها مبنية للمجهول! (الذي هو هم طبعا) !
٤-في المادة ٤٣: التعديل في المادة كان بحذف الجزء الذي يمنع اجبار احد على الانضمام لجمعية او نقابة! فهل هم ينوون ذلك فعلا كما فعل بعث العراق؟ أم رؤوا في تأكيد الدستور الحالي على حرية الانضمام لغوا؟ وعلى اي حال فتعديلهم لا ينسجم مع (مزيد من الحريات) بل يناقض ذلك!
٥-تم تجريد الأمير من كل صلاحياته، لكنهم عدلوا المادة التي تجيز له استنابة رئيس الوزراء في القاء الخطاب وألزموه هو او ولي العهد بالحضور!!
٦-كان اصحاب المشروع يشكون من حل الامير المجالس! وها هم اليوم يعطون أنفسهم نفس الحق بل ويجعلونه مطلقا بحذف شرط عدم الحل لذات الاسباب مرة اخرى!
٧-ألزم الرئيس ووزراؤه بحضور كل الجلسات! وهذا أمر غير واقعي وغير عملي ولن يحصل! لكنه دعاية شكلية تعريضا بأفعال الحكومات الحالية!
٨-المادة ١٧٣ تغير شكل المحكمة الدستورية تماما كما ورد في مقترح حدس، وذلك بأن تصبح اداة في يد معارضة اليوم (وسلطة الغد)، حيث ان ثلثا اعضائها في يدهم، فثلث تعينه الوزارة (هم)، وثلث يعينه البرلمان (الذي لهم فيه الغالبية) وثلث اخير يتيم للسلطة القضائية!وبالتالي تصبح المحكمة الدستورية وهي من أقوى سلطات البلاد اداة طيعة ليستخدموها في تغيير القوانين وتغيير شكل البلد وتثبيت السلطة في يدهم، بعد أن ادركوا اهمية المحكمة الدستورية من خلال احداث السنةات الثلاث السابقة! وبعد هذا كله تقول المادة انها هيئة قضائية مستقلة! وما عشت اراك الدهر عجبا!
٩-من الطريف جدا قول المذكرة التفسيرية ان تبني النظام الذي شرحته هو للنأي بالأسرة (الحاكمة) عن التجريح السياسي! واعتراضي ان هذه الفقرة لا تستقيم معنىً، فلا معنى لتسمية الاسرة بالحاكمة بعد أن جرد الامير من جميع صلاحياته، والاجدى تسميتها بالاسرة الاميرية او ان يجدوا لنا نصا واحدا يبين حكم الامير في شأن واحد!
١٠-النظام البرلماني الذي وصف كله قائم على القوائم النسبية المكونة من احزاب، ولم يتجشموا عناء شرح هذه القوانين ونظرتهم في تشكيلها مع انها أس الأساس بالنسبة لنظامهم المقترح،
١١-اما مادة الاستفتاء فلم اعلق عليها لتصدي الكثير من الكتاب لها
و في الختام، اعتقد ان المشروع لو فرضنا تحققه جدلا، فإنه سينقلنا من واقع سيء الى واقع اسوأ، ومن تفرد الى استبداد حاصرا خيوط اللعبة كلها في يد جماعة معينة معطيا اياها السلطة المطلقة وجاعلا منها مشروع دكتاتورية بغلاف ديمقراطي! ولكن ما لا يمكن انكاره ان الاخوة في ائتلاف المعارضة، وتحديدا الشعبي وحدس، بالتأكيد قد تجاوزوا نظراءهم من باقي التيارات السياسية في الموالاة والمعارضة بتقديمهم مشروعا ومبادرة، اما الاخرون من جميع التيارات فهم لا يزالون يعيشون على رد الفعل وليس لديهم اي مشروع واضح للاصلاح السياسي و عاجلا ام اجلا سيجدون انفسهم على هامش اللعبة فالبقاء للاقوى وللمستعد للمشاركة في ادارة البلاد، دون من بعيش على نقد الاخرين وفتات الموائد.
يوسف بهبهاني
نقوم بتوفير التسهيلات والخدمات للراغبين في السفر من اجل الفحوصات الطبية وكذلك نقوم بتنسيق الرحلات السياحية للمسافرين حتى يتمتعوا بالمناظر الطبيعية الخلابة والمواقع السياحية كذلك نوفر اهم ما وصل اليه الطب في العلاج .
ReplyDeleteعلاج القلب في الهند