Saturday, 10 September 2016

العلاج بالخارج..حقائق وأرقام لحقبة سوداء

قبل بضعة أيام أمر سمو رئيس الوزراء وزير الصحة بمراجعة ملف العلاج في الخارج وبعدها بيومين أصدر وزير الصحة
قرارا بمنع العلاج بالخارج إلا لحالات محددة.
قد يظن البعض أننا بهذا القرار نسدل الستار على الجريمة التي وقعت بحق هذا الوطن العزيز، وبغض النظر عن جدية الحكومة من عدمها هذه المرة في منع هذا العبث، إلا أن حجم هذه الكارثة يحتم علينا الآن تسليط الضوء على ما حدث أو فلنقل تقديم كشف الحساب الختامي لكارثة جثمت لسنوات على صدر النظام الصحي الكويتي.

في العصر الحديث ازدهر ما يصطلح عليه بالسياحة العلاجية والتي اصبحت تدر ارباحا طائلة على البلدان التي تستقبل المرضى في مشافيها ومراكزها التي تعرض خدمات صحية للمرضى الزائرين من دول أخرى.
وفي العادة يقصد المريض دولة أخرى للعلاج لعدة أسباب منها سوء الخدمات أو قوائم الانتظار الطويلة أو ارتفاع تكلفة العلاج في بلده الأصلي، وهذه أمور مقبولة ومفهومة حيث يتحمل المريض عناء وتكلفة السفر طلبا لعلاج أفضل أو أسرع. لكن الظاهرة التي نتكلم عنها هنا مختلفة، حيث ترسل الدولة مرضاها على نفقتها للعلاج. وهذا أمر يحدث أحيانا في بعض الدول من باب الاستثناء لا القاعدة ويقابل عادة بتذمر شديد من الرأي العام كونه يعني اعترافا ضمنيا بفشل النظام الصحي في الدولة.
ففي بريطانيا مثلا، تعاقدت الحكومة البريطانية مع بعض المستشفيات الفرنسية والألمانية لعلاج بعض الحالات المحددة كعمليات تبديل المفاصل بسبب الضغط الهائل عليها وقوائم الانتظار الطويلة في بريطانيا، وقد قوبلت هذه الخطوة بامتعاض شديد في الشارع البريطاني حيث اعتبر ذلك فشلا للنظام الصحي(١). وكذلك الحال في جمهورية ايرلندا التي لديها خطة للعلاج بالخارج على نفقة الدولة-ميزانيتها ٧مليون يورو فقط سنويا-(٢)، فمثلا وصف بعض السياسيين إرسال بعض المرضى لأوروبا بالفضيحة(٣). أما عندنا فالفضيحة –بنظر نوابنا الأفاضل- هي حين تحاول الحكومة تقنين وتقليل العلاج بالخارج(٤)!

إرسال المرضى للعلاج بالخارج على نفقة الدولة لا يخلو من مساوئ، نستطيع تلخيصها بأن ذلك يقلل من الخبرة التراكمية للكادر الطبي الوطني، ويفقد المريض ميزة الرعاية المستديمة مع طبيبه(٥)، والأمر من ذلك زعزعة ثقة الناس بالنظام الصحي الوطني وهذا بالذات له نتائج كارثية مستقبلية لا يمكن محوها بجرة قلم في قرار وزاري.  ناهيك عن نقل رؤوس الأموال للخارج وعدم استثمارها في تطوير النظام الصحي في البلد فضلا عن تحميل الدولة عبء تكاليف مهولة أصبحت تفوق طاقتها. وبعبارة أخرى الناس تذهب للعلاج بالخارج لعدم ثقتها بالخدمات الصحية السيئة في الكويت، فتدفع الأموال المخصصة لتطوير الصحة في البلاد لمستشفيات بريطانيا وأمريكا، وبالتالي يقل الإنفاق على مستشفياتنا وتسوء الخدمات أكثر وهكذا ندور في حلقة مفرغة. 
وما دمنا تكلمنا عن التكلفة فلنتأمل في بعض الأرقام ونقارن لنعلم حجم الكارثة:
بلغت ميزانية العلاج بالخارج في أوجها في البحرين ٢٠ مليون دينار كويتي في السنة(٦)، بينما بلغت في السعودية ما يعادل ٨٠ مليون دينار كويتي في السنة لعلاج اقل من ٥٠٠٠ مريض أكثر من نصفهم أرسلوا بمكرمات ملكية(٧)، أما عندنا ففي سنة ٢٠١١ كانت ميزانية العلاج بالخارج في الكويت ١٧٥ مليون دينار(٨) سنويا،أي تفوق نظيرتها في السعودية والبحرين مجتمعتين! التهم العلاج بالخارج -١٤٪ من إجمالي ميزانية وزارة الصحة لتلك السنة-(٩). وهذا فضلا عن العلاج بالخارج على نفقة الديوان الاميري والدفاع والداخلية والنفط (١٠).

الكلفة التقريبية لبرامج العلاج في الخارج في السنة
الدولة
٢،٣ مليون دينار كويتي
ايرلندا
٢٠ مليون دينار كويتي
البحرين
٨٠ مليون دينار كويتي
السعودية
٤٤١ مليون دينار كويتي
الكويت

المثير أننا في السنة التي تلتها قفزت الميزانية لتصل إلى ٢٤٠ مليون دينار في حين كان الإنفاق على جميع البعثات التعليمية لوزارة الصحة ٢٦٠ مليون في نفس السنة! واستمرت في التضخم حتى وصلت سنة ٢٠١٤ إلى ٤٤١ مليون دينار(١١) وهذا يعادل تقريبا ربع الإنفاق الحكومي على الصحة –حيث تقارب ميزانية الصحة في نفس السنة ملياري دينار(١٢). تحتل الكويت مرتبة متقدمة في الإنفاق الصحي على الفرد بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية لكن هذه المرتبة لا تعني شيئا إذا عرفنا إن وزارة الصحة تنفق ربع ميزانيتها على٠.٠٠٢ ٪ من السكان(١٣)، وهؤلاء يشاركون ٩٩.٩٩٨٪ من السكان في بقية الإنفاق الصحي. هذا فيما لو بقيت ميزانية العلاج بالخارج على النصف مليار، لكن آلتي الحاسبة انفجرت وتبعثرت أرقامها حين وصلها خبر القبس المنشور يوم أمس بأن ميزانية العلاج بالخارج حاليا تبلغ ١٦٩ 
(مليون دينار شهريا!(١٤)



وإن صح هذا الخبر فإنه يعني أن بإمكاننا –بهذا المبلغ- بناء نسخة من مستشفى جابر –مع السرقات- كل شهرين، ودار 
أوبرا كل شهر ونصف وبناء مركز سرطان جديد كل شهر، وبرجا كبرج الحمراء كل شهر و٣ مطارات مساندة كل شهر، و٣٣ مركزا ضخما لغسيل الكلى كالمركز الذي أعمل فيه كل يوم!  ولمحبي "الكاش" يمكننا القول بأنه لو وزعنا مصروف العلاج بالخارج –الذي يصرف على .٠٠٢٪ من الشعب- على جميع المواطنين بالتساوي فإن كل مواطن يحصل على ١٣٥ دينار شهريا عدا ونقدا! وأخيرا وليس آخرا فإن ما تنفقه الدولة على العلاج بالخارج في شهر واحد يفوق ما ستجنيه من الزيادة الجائرة على البنزين في سنة كاملة!(١٥)



كلفة سنة واحدة من العلاج بالخارج (١٦٩ مليون د.ك شهريا) تعادل تقريبا


العلاج بالخارج كان دائما وسيلة حكومية ناجحة لشراء ولاءات النواب، لكن نظرة سريعة للتضخم الهائل في ميزانيته الضخمة أصلا، يمكننا القول أنه لم يعد وسيلة لشراء النواب فحسب، بل بات وسيلة لشراء شعب كامل وإسكاته عن المطالبات بالإصلاح، وهذا يفسر التضاعف المخيف في أعداد المبتعثين للعلاج في السنوات التي تلت الحراك المعارض في ٢٠١١،فإن ذلك الحراك-على فساده- وبالتزامن مع الربيع العربي شكل قلقا حقيقيا لدى الحكومة من احتمال تكراره بشكل أكبر في ظل الانحدار المنتظم للدولة على جميع المستويات. وبدل الإصلاح الحقيقي ارتأت الحكومة مواجهة هذا المأزق بشراء 
الشعب وكان فتح باب العلاج بالخارج على مصراعيه أحد وسائل الشراء.

وما دمنا نتحدث عن الشراء فإن لكل صفقة سمسار، وسماسرة العلاج بالخارج هم للأسف النواب الذين ائتمنهم الشعب على مصالحه وأمواله. في عام٢٠١١ في ذروة الحراك المعارض ضد رئيس الوزراء السابق، صرخ أحد فرسان الحراك غاضبا من عدم إرسال "مرضاه" ال٧٢ للخارج على نفقة رئيس الوزراء نفسه الذي يطرح الثقة فيه! يومها صدم الشعب من أن نائبا مخاصما للرئيس يريد إرسال هذا العدد من المرضى على نفقته فضلا عن حصته من "المرضى" في ميزانية وزارة الصحة. ولا يعود لتلك الأرقام "الخردة" معنى إذا عرفنا أن نائبا واحدا اليوم له ١١٠٠ معاملة علاج بالخارج.

إن ما حدث في الكويت في السنوات الفائتة كانت عملية ممنهجة لضرب النظام الصحي الوطني وقد لا أبالغ إن قلت أن آثارها المدمرة طويلة الأمد تفوق الأضرار التي أصابت القطاع الصحي بسبب الغزو الغاشم سنة ١٩٩٠.
كلنا نتعاطف مع معاناة كل مواطن ابتلاه الله تعالى بالمرض، لكن يجب ان يعلم الشعب ان هذه الدوافع النبيلة ليست هي السبب في تضخم العلاج بالخارج، بل إن الدوافع وراءه سياسية انتهازية. هذه الأموال التي دفعت للمرضى والمتمارضين لم تنزل من السماء بل هي أثمان الدواء الذي لن يجده أبناؤكم في المستقبل. العلاج بالخارج ما هو إلا "صفقة تجارية" لشراء سكوت الشعب، الثمن فيها "معاناة المرضى" والسمسار فيها "نواب الأمة". وأعتقد شخصيا أن الحكومة جادة هذه المرة في تخفيض العلاج بالخارج لا لدوافع إصلاحية بل لأن الصفقة انتهت واستقر الوضع السياسي وسكت الشعب، العلاج بالخارج لن يتوقف لكنه سيعود لسابق عهده وسيلة لشراء النواب لا عموم الشعب وأثمان نوابنا رخيصة فستهبط أعداد العلاج 
بالخارج لخانة المئات لا عشرات الآلاف وتطوى صفحة من أكثر صفحات تاريخنا سوادا وفسادا.

د.يوسف بهبهاني


هوامش:
١-من خبر نشرته صحيفة الدايلي اكسبرس البريطانية بتاريخ ٨ سبتمبر ٢٠١٥.
٢-من تقرير نشرته الهيرالد الايرلندية بتاريخ ١٦ اغسطس ٢٠١٣. ويعادل هذا المبلغ تقريبا ٢.٣ مليون دينار حاليا.
٣-من تصريح للسيناتور الايرلندي رونان مولن نقلته صحيفة ذي جورنال الايرلندية بتاريخ ١٥ مايو ٢٠١٤
٤-في مارس ٢٠١٦ أوصت اللجنة الصحية بمجلس الأمة التي كلفت بمراجعة العلاج بالخارج بوقف قرارات وزارة الصحة الجديدة التي تقيد العلاج بالخارج وتخفض مصروفاته وقدمت تعديلات عليها تعيد اللائحة لسابق عهدها وتزيد الامتيازات، ووافق مجلس الامة علي التقرير. راجع خبر صحيفة الجريدة المنشور بتاريخ ١١ مارس٢٠١٦، وخبر وكالة الانباء الكويتية كونا بتاريخ ١٦ مارس ٢٠١٦
٥- دراسة منشورة في مجلة منظمة الصحة العالمية بتاريخ ٢٦ نوفمبر ٢٠١٠ بقلم ماتياس هليب
٦-من تصريح لوزيرة الصحة البحرينية فائقة الصالح لصحيفة جلف ديلي نيوز في ديسمبر ٢٠١٥ وقالت الوزيرة ان الوزارة ستستقدم اطباء زائري لتقديم الخدمات الصحية لتقليل ميزانية العلاج بالخارج البالغة ٢٥ مليون دينار بحريني سنويا.
٧-من تصريح لوزارة الصحة السعودية نقلته جريدة عرب نيوز بتاريخ ٢٣ ديسمبر ٢٠١٣.
٨-تصريح لرئيس لجنة الميزانيات بمجلس الأمة النائب عدنان عبدالصمد في جلسة ٢ مارس ٢٠١٦ نقلا عن تقرير ديوان المحاسبة.
٩-تقرير الحسابات الصحية الوطنية لعام ٢٠١٠/٢٠١١الصادر عن وزارة الصحة الكويتية.
١٠-صرح نائب الرئيس التنفيذي لشركة نفط الكويت للشؤون المالية والإدارية السيد سعد راشد العازمي لوكالة الانباء الكويتية كونا بتاريخ ٢٨ مارس ٢٠١٥ ان ميزانية العلاج بالخارج لموظفي شركة نفط الكويت للسنة المالية ٢٠١٤/٢٠١٥ بلغت ٣٥ مليون دينار كويتي.
١١- تصريح لرئيس لجنة الميزانيات بمجلس الأمة النائب عدنان عبدالصمد في جلسة ٢ مارس ٢٠١٦ نقلا عن تقرير ديوان المحاسبة.
١٢- تصريح لوكيل وزارة الصحة المساعد للشؤون المالية السيد محمد العازمي لصحيفة الأنباء بتاريخ ١٣ يناير ٢٠١٤ عن ميزانية وزارة الصحة للعام ٢٠١٤/٢٠١٥.
١٣-بلغ عدد حالات العلاج بالخارج عن طريق وزارة الصحة ١١٨٢٥ حالة في العشرة شهور الأولى من عام ٢٠١٥، بحسب إجابة وزارة الصحة على سؤال برلماني وجه لها.
١٤- نشرت صحيفة القبس بتاريخ ٩ سبتمبر ٢٠١٦ صورة لخطاب موجه من الأمانة العامة لمجلس الوزراء إلى وزارة المالية تذكر فيه بأن تكلفة العلاج بالخارج بلغت ١٦٩ مليون دينار كويتي شهريا.
١٥-بحسب خبر نقلته صحيفة الراي عن مصادر مسؤولة-بحسب تعبيرها- ان حجم الوفر الناتج عن زيادة سعر البنزين سيتراوح بين ١٢٠ و١٤٠ مليون دينار فقط في السنة. 

1 comment: