Sunday, 17 November 2019

سؤالان حول اعتصام ساحة الإرادة

سؤالان حول اعتصام ساحة الإرادة

جرت العديد من النقاشات و الحوارات بعد انتهاء اعتصام الأسبوع الفائت ، وتمحورت حول سؤالين إثنين أحاول أن أجيب عليهما في هذه السطور. السؤال الأول كان مشككا في جدوى الاعتصام وما الذي حققه من اهداف، أما السؤال الثاني فكان عن الخطوة القادمة بعده؟

الاعتصام الذي شهد حضورا غير مسبوق عددا -منذ ٧ سنوات على الأقل- بدأ بتغريدة يتيمة من النائب السابق الأخ صالح الملا، و شهدت تفاعلا عفويا من الناس في وسائل التوصل الاجتماعي ، أخذ يكبر ككرة الثلج خلال أيام معدودة لينتهي بحضور ما يقارب ٥ آلاف محتج في ساحة الإرادة يوم الاعتصام.

ولنبدأ بما ميز هذا الاعتصام عن غيره:
١-العدد غير المسبوق منذ ٢٠١٢
٢- مشاركة جميع المكونات والفئات و المشارب في المجتمع بنفس القوة.
٣- غير مرتب ولم يكن خاضعا لأجندة واحدة معدة مسبقا
٤- شارك فيه الكثير من التيارين المتضادين عام ٢٠١٢ -الأزرق والبرتقالي- على حد سواء
٥- لم يكن بدعوة من التيارات السياسية وكانت مشاركة كوادرهم محدودة

وبعد هذا كله، نعرف لماذا كانت ردة الفعل على الاعتصام بالتشكيك في جدواه. وأنا أدعي أن جمهور المثبطين ينقسمون لثلاث فئات رئيسية: المروجون للسلطة وهم إما قابض مأجور أو واهم مغرور، فأما المرتزق فمداد قلمه ينتهي مع نفاد أجره، وأما الواهم فلم تبق له خطايا السلطة من عذر يعتذر به إلى الناس فخفت صوته شيئا فشيئا.
الفئة الثانية اغلب نواب البرلمان، ولعمري فإنهم محقون في انزعاجهم هذا، فهم منذ سنوات يعيشون نرجسية تمثيل الأمة وأنهم نخبتها السياسية ، فكيف يتجاهلهم الناس ويستجيبون لدعوة فرد وحيد لا يقف بجانبهم على خشبة المسرحية الهزلية التي يقدمونها! 
وفئة ثالثة ألقت حبلها على غاربها ربما تعوض بالتشكيك في جدوى أي تحرك من غيرها ، عجزها عن الاتيان بمثله، وتجد في تثبيط الهمم عزاء عن شعور التقصير في إصلاح الوطن.

ويتبين هنا أن السؤال الذي طرح بخبث " ما الذي تحقق بعد الاعتصام؟ وهل حلت مشاكل البلد؟ " ما هو إلا قشة يتمسك بها غريق وليس سؤالا واقعيا، وهل كان ينتظر من ساعة اعتصام عفوي بلا تخطيط أن تغير سياسة بلد يسير إلى الهاوية بثبات منذ ٤٠ عاما ! الاعتصام كان صرخة عالية الصوت في وجه المستخفين بهذا الشعب علها توقظهم من سكرتهم التي فيها يعمهون! الاعتصام كان إشارة احتجاج وسخط وليس خطة عمل لتتم محاسبته!

ومع أن عدد المشاركين في الاعتصام كان مهما و مخيفا، إلا أن الأهم كان في نوعيتهم. فلأول مرة يشارك الجميع من كل الطوائف والفئات منذ ٢٠٠٦. نعم قد يقول البعض أنه لم يكن هناك اتفاق على مطالب موحدة بل كل جاء لحاجته، وكل يغني على ليلاه، وهذا صحيح لكنه في الواقع نقطة قوة لا ضعف، فهي تدل على أن الجميع ساخط. لا أحد راض عنكم، لا أحد فعلا، لا عدوكم ولا صديقكم، فسادكم وسوء إدارتكم أخرج الجميع من بيته. وهذا مؤشر خطير لو وعته أذن واعية.
و لو كان للاعتصام هدف واحد وهو إيصال رسالة السخط إلى السلطة (حكومة ومجلس) ،فقد تحقق و بنجاح كبير، وقد وصلت الرسالة بصوت عال، قض مضاجعهم وأرق منامهم. وعرف المستخفون بالكويت وأهلها أن الشعب -وهذه المرة بكل فئاته- قد ضاق ذرعا بمسرحيتهم السخيفة.

أما بركات الاعتصام الأخرى، فهو كسر الحاجز النفسي لبعض المكونات تجاه النزول للشارع ليشاركوا إخوانهم السعي للإصلاح وهذا أمر إيجابي جدا. ومنها التقاء ذوي الهموم الوطنية ببعضهم بعضا بعيدا عن دوائرهم المحدودة المغلقة، ليجدوا أنهم -مهما تباينت ألوانهم- يحملون ذات الهم و ذات الشعور. ومنها أن المتكسبين والفاسدين -وان تواجدوا- فإنهم لم يعطوا زمام القياد، فيبدو أن دروس الحراك الماضي لاتزال ماثلة في الأذهان. ومنها إذكاء جذوة السعي للإصلاح و إن صعب، ومحاربة اليأس وإن عظم.

ونصل إلى السؤال الثاني، وهو " ماذا بعد الاعتصام؟"، وهو سؤال يطرحه الجميع. والجميل أن ليس ثمة جهة يرجع إليها لتحدد الخطوة القادمة، فالحراك ليس له رأس، وهنا لا بد أن نذكر بإعجاب ما فعله صالح الملا من تصرف حكيم، فرغم انه الداعي الأول والوحيد للاعتصام، إلا أن خفق النعال خلفه لم يغره بالترؤس والتصدر، بل شارك كأحد المشاركين مبديا رأيه كما يبدون وتاركا للناس تحديد ما يريدون دون فرض اجندته.
و بما أن بمقدورنا جميعا أن نشارك في صنع إجابة هذا السؤال، فقد أحببت أن أدلي بدلوي الصغير في ما ينبغي أن يحدث.
أرى أن أهم خطوة قادمة هي تخليص الحراك من الشوائب وهو في مهده بل قبل أن يصبح حراكا. فلنبعد وليبتعد كل من عليه علامة استفهام ولنضح بكل من لا تجمع عليه فئات الشعب، ولتبق نواة الحراك هذه بعيدة عن التيارات السياسية والمصالح الانتخابية على الأقل في الوقت الحالي. ولا ينبغي ان تختزل اهداف أي حراك في إسقاط حكومة أو مجلس، فالمشكلة الأساس في منهج إدارة الدولة.

وفي رأيي القاصر يجب ألا يتبع هذا الاعتصام اعتصام آخر قبل ترتيب أوراقه. صرخة الغضب غير المنسقة آتت أكلها لأن هدفها إيصال الرسالة و قد وصلت، أما أن يستمر ذلك بغير اتفاق على أهداف ومطالب فسيؤدي إلى وأد الحراك في مهده وتشتت أنصاره وكسر أنيابه، وسيصبح هذا التحرك عادة أسبوعية يقل أنصارها كل مرة ولن تبقى منه إلا بضع لافتات لا تسمن ولا تغني من جوع كما هو الحال في السنوات السبع العجاف الماضية.

إن أهم ثمرة ينبغي ان تنتج من الاعتصام الماضي هي أن يلتقي الشباب الوطني المثقف الحامل هم الوطن وإصلاحه. فلنجتمع و لنلتق ونتحدث ونتحاور و نختلف، حتى نرسم الخطوط العريضة لشكل الوطن الذي نريد ونحدد مطالب الحراك الفتي ووسائل تحقيقها. إن سياسة السلطة في السنوات السابقة لم تنجح إلا بتخويفنا من بعضنا البعض، ففرقتنا و سادت وستر فسادها الرخاء. اليوم وضعنا مختلف، فكل منا يشعر بنفس الخوف من المستقبل، وكل منا يحمل نفس الهم، ونفس المطالب. فلنبحث عن بعضنا البعض، ولنجلس معا ونفكر سويا ونرتب أوراقنا و أفكارنا في حوار وطني شامل ولنكون نواة طيبة لتثمر حراكا مخلصا. و كل شيء بعد ذلك يسير.

*ملاحظة: كتبت هذه المقالة قبل استقالة الحكومة بسبب كشف فضائح وزرائها، ومع ذلك فإن مافيها لا يزال قائما، لأن الفضائح الحكومية أصبحت روتينية ولا ينبغي التعويل على حصان أسود حكومي جديد لإصلاح البلد، بل ذلك مناط بالتحرك الواعي المنظم من الشعب. 


يوسف بهبهاني

1 comment:

  1. This is a really informative knowledge, Thanks for posting this informative Information. زراعة الاسنان

    ReplyDelete