Saturday, 29 June 2024

خمسون يوما على حل مجلس الأمة

مضى أكثر من شهر على حل مجلس الأمة من قبل سمو أمير البلاد، وتعليق العمل ببعض مواد الدستور. خمسون يوما امتنعت فيها الطبقة السياسية برمتها عن أي تعليق على التعليق. ولئن كان لهذا الصمت الاحتجاجي أسبابه ومبرراته الواضحة، إلا أن هذا الصمت من رجالات الدولة يولد فراغا يدفع أمثالي من رجال الشارع للتعليق على حدث جلل كهذا -يمس حياة ومستقبل كل مواطن- في ظل الفسحة التي لا يزال يسمح بها الدستور العتيد.

 

لا ينتطح عنزان في أن الكويت قد وصلت إلى حال غير مسبوق من التردي في إدارة البلد وتنمية موارده، لكن الخلاف كان في كيفية الخروج من هذا المأزق. وبعيدا عن الكثير من الشكليات والقشور التي كانت الطبقة السياسية تتشبث بها وتجعلها أس أساس تخلف البلد، والتي بدت اليوم سخيفة جدا وغير ذات أهمية حين هدأ الصراخ المفتعل وأغلقت الميكروفونات. ففي رأيي المتواضع أن رموز الطبقة السياسية السابقة جهلت أو تجاهلت عن عمد الجذور الحقيقية للأزمات المتكررة واختارت القتال في الجبهات الصغيرة موهمة الجمهور أنها "أولويات" وأن الانتصار فيها هو سبيل الخلاص، وعلى الرغم من تحقيق بعض الانتصارات في هذه المعارك الفنجانية إلا أن المن والسلوى لم ينزل من السماء، وفي هذه الأثناء كانت الدولة تدور في حلقة مفرغة. وبالرجوع للتحليل الحقيقي لجذور الأزمات، نجد أن الممارسة السياسية كشفت العيوب المخفية في دستور ٦٢، والذي أصبح عائقا أمام التطور المجتمعي. ولعل أبرز هذه العيوب التي كشف عنها الغطاء، هي فشل النظام السياسي الهجين، فالحكومة التي يعينها سمو أمير البلاد تبقى مكشوفة الظهر أمام مجلس منتخب على أسس المصالح والأعراق، ويستطيع نائب واحد أن يوقفها على رجل واحدة باستجواب تلو استجواب. ولا يكون أمام حكومة كهذه -لم تحظ بثقة البرلمان- إلا أن تحاول حماية ظهرها بشراء نوابه، فتشتري النواب بالمال، والمناصب والهبات، وتقبل المساومة على مصلحة الوطن العليا مقابل إطالة عمرها بضعة أشهر أو حماية أحد وزرائها من استجواب يسقطه، فانشغلت الحكومات المتعاقبة بحماية نفسها عن القيام بدورها في إدارة البلد، وانشغل كثير من النواب بابتزاز الحكومة لدغدغة مشاعر ناخبيهم، وطفقوا يتنافسون في طلبات فاقت ضخامتها طلبات علاء الدين من جني المصباح دون حساب لمصلحة الوطن أو ميزانيته وهذا أمر طبيعي، فهم لا يشكلون الحكومة ولا يشعرون بمسؤولية إدارة موارد البلد. هذا الخلل البنيوي في الدستور هو حجر الزاوية في كل الأزمات التي تراكمت على وضع البلاد السياسي.

 

ولطالما صرخ العقلاء ونادى أصحاب الرأي بضرورة الإصلاح السياسي الحقيقي -لا الشعاراتي- تحذيرا من الغرق في دوامة الأزمات. لكن السياسيين لم يكونوا يسمعون إلا صدى أصواتهم، تزيدهم صفقات الجماهير حماسا واقتناعا بصحة مواقفهم الساذجة، والتي قد تختزل أحيانا كل مشاكل البلد في فلان أو علان، وأن معركة الإطاحة به هي الفتح المبين الذي من بعده يأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم.  إزاء هذا الوضع السياسي المعوق، وإدارة البلد المشلولة، كان لا بد من وضع العصا في هذه العجلة المجنونة، وهنا برزت عدة خيارات، منها ما كنت وغيري نتبناه -ولا أزال- من أن السبيل الوحيد للخروج من الدوامة هو تطوير الدستور ومعالجة اختلالاته البنيوية ليحمل الأمة مسؤولية اختيار من وكيف يدار البلد بدلا من جعل الشعب مجموعة من البشر الكسالى المعوقين والاتكاليين لا شغل لهم سوى انتاج نواب ليعطوهم مزايا وهبات ويزيحوا عن كاهلهم ما أمكن من واجبات ومسؤوليات عن طريق ابتزاز الحكومة. الرأي الآخر كان بالضد من هذا تماما، وهو إلغاء الحياة الديمقراطية برمتها وسلب الأمة أي حق في تمثيل نفسها، وعودة الوضع المشيخي والإدارة الفردية للبلد. غير أن سمو أمير البلاد لم يختر هذا ولا ذاك، بل قرر أن يضع العصا في العجلة ويوقف المشهد السياسي كله لبرهة من الزمن ليفكر الجميع فيما آل إليه الوضع وكيفية الخروج منه. سمو الأمير لم يأخذ بالرأي الداعي لتطوير الدستور في ظل النظام القائم، ولم يلغ الدستور والديمقراطية للأبد، بل اختار أمرا بين أمرين، فعلق البرلمان لفترة زمنية محددة كما أبدى انفتاحه على فكرة مراجعة المسيرة الديمقراطية كما جاء في خطابه الأخير. 

 

وبغض النظر عن المعطيات المتوفرة لسمو الأمير والتي دعته لهذا القرار، فإن القرار قد اتخذ والأمر قد صدر وأصبح أمرا واقعا، وهنا يصبح الناس أمام عدة خيارات: الاحتجاج الصريح وتحدي إرادة صاحب السمو، وهو -بحمدالله- مالم يحصل في الفترة الماضية، فقد استبشر المؤيدون، وصمت الكارهون مرددين الآية الكريمة "وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا". أما الخيار الآخر فهو ما يفعله المنافقون في كل زمان ومكان، فيحاولون إيجاد حظوة لهم لدى السلطة عن طريق التملق والتحريض على الآخرين، فلا يقدرون على تلميع أنفسهم إلا بتخوين وطعن مخالفيهم في الرأي. أما الخيار الثالث، وهو ما أظنه الأصوب، هو التذكير في كل مناسبة وبكل وسيلة بضرورة عودة البرلمان وعدم الركون إلى فردية الإدارة، ومن جانب آخر، فإن قرارات سمو الأمير اقتصرت على تعليق البرلمان، ولم تمس بقية مواد الدستور التي تحمي الحريات بما فيها حرية التعبير. نعم، عملت الجهات الأمنية على ملاحقة من تجاوز المادة الرابعة والخمسين من الدستور حصرا (صيانة الذات الأميرية)، لكن لا تزال هناك ١٩ مادة في الباب الثاني و٢٢ مادة في الباب الثالث كلها تتعلق بالحريات والحقوق، لم يمسها التعليق. وفي نظري القاصر، أن الحفاظ على هذه الحريات والمكتسبات إنما هو بأيدي الناس لا الحكومة. فإذا ركن الناس إلى الخوف والرهبة من الحديث في الشأن السياسي العام وغيره، فهم يقلصون هامش حرياتهم بأيديهم عمليا، وستتقبل الحكومة هذا الواقع الجديد بقبول حسن وتجعل الحديث في هذه الشؤون خطا أحمر لا يمكن تجاوزه بلا سند قانوني ولا دستوري ولا حتى أمر أميري. والمنطق يحتم -والحال هذه- أن يبادر الناس بتوسيع هامش حرياتهم بأنفسهم من خلال ترسيخ هذه الحريات عمليا وبشتى الوسائل، فالمغرد يجب أن يستمر بالتغريد، والمدون والكاتب والصحف وجمعيات النفع العام والتيارات السياسية -أو ما تبقى من جثثها الهامدة- كلهم يجب أن يستمروا بنفس ما كانوا يقومون به قبل تعليق المجلس للحفاظ على هذه المكتسبات. يجب ألا تترك الحكومة لوحدها -وإن غاب المجلس-، فالحاجة للنقد البناء في هذه الفترة الحرجة تصبح أكثر إلحاحا، وإلا حولنا وزراءنا لمجموعة من الطواغيت الذين لا يسمعون سوى صدى أصواتهم ولا يرونا إلا ما يرون. وفي هذا الوضع الجديد، من الوارد أن يسقط بعض ضحايا القلم في شراك الملاحقات القانونية لعدم وضوح السقف الذي تسمح به الحكومة الحالية وأيضا لغياب ضمانة كبيرة بحجم مجلس الأمة، لكن هذا كله لا ينبغي أن يقلل من أهمية توجيه النقد البناء والتصويب للحكومة ونصحها بالحكمة والموعظة الحسنة لئلا يتحول الوزير إلى دكتاتور. غني عن القول، أن الحكمة، بل المنطق يستوجب اقتصار النقد البناء على الحكومة ومسؤوليها، دون أن يمتد ذلك للتجريح بالقيادة السياسية حتى لا يهبط سقف طموحاتنا من عودة البرلمان وإصلاح الدستور إلى العفو عن المحكومين وعودة المهجرين. فلنبق سقف طموحاتنا عاليا ولنترك "فشة الخلق" والعنتريات جانبا، فما هو أمامنا أكبر بكثير. 

 

أما ما يطنطن به البعض من أن المجلس -على علاته- هو سبب تأخر البلد وتخلفها، فلا يستحق حتى عناء الرد عليه، ونظرة واحدة لحال البلاد بعد اختفاء المجلس كفيلة بتبيان الحقيقة، لكن المشكلة أن هذه النظرة تحتاج لكشافات تعمل بالبطارية فالكهرباء ليست متوفرة في كل وقت في البلد الذي يستعد للانطلاق للفضاء! 

 

وختاما، فإن الكويتيين جميعا يتفقون على سوء المرحلة السابقة، وبغض النظر عن اتفاقهم أو اختلافهم مع الإجراءات التي اتخذها سمو الأمير لوضع العصا في الحلقة السياسية المفرغة المجنونة، فإنه لا بد للكويتيين الآن من أن يتفقوا -شاءوا أم أبوا-على ملامح الوضع المستقبلي لبلادهم، فمن الواضح أن هذا الدستور والعملية السياسية السابقة لم تعد صالحة للنهوض بالمجتمع والدولة. وإن لم يعلن الأمير صراحة نيته بتعديل الدستور، إلا أن رغبته بتغيير الواقع السياسي كانت واضحة في ثنايا خطاب التعليق، وهي لا شك تلتقي مع رغبة الغالبية الساحقة من الكويتيين في تطوير الدستور والعملية السياسية لتكون أكثر انتاجا للتنمية، وأكثر ضمانا للحريات، وأبعد عن السلبيات السابقة.

 

ورب ضارة نافعة، فلعل تعليق المجلس ينقل الكويتيين -وسياسييهم بالخصوص- من التقوقع في الحلقة المفرغة للمناكفات السياسية العقيمة السابقة إلى التفكير جديا في مستقبل البلد كرجال دولة. لا بد من نقاش جاد حول إصلاح الخلل البنيوي في الدستور وكيفية تطويره، ورسم ملامح الكويت الجديدة وشكل إدارة الدولة فيها من الناحية السياسية والاقتصادية والإدارية. وهذا النقاش لن يكون إلا عبر حوار وطني بين فئات المجتمع السياسية والاجتماعية، مضافا لهم مؤسسات المجتمع المدني والأكاديميون. الحوار الوطني ليس حوارا مع السلطة، بل يجب أن يكون في مرحلته الأولى حوارا بين قوى المجتمع نفسها للاتفاق على ما يريدون وتبني المشروع الذي يجمعون عليه – ولو بالحد الأدنى-. وبالتوازي مع هذا الحوار يجب أن يطرح محتواه وأفكاره للعامة في ندوات عامة وحلقات نقاشية وكتابات رصينة، فلم يعد مقبولا بعد الآن أن يختطف مراهقو السياسة الرأي العام ويجبروا الناس على السير وراءهم، ولم يعد مقبولا الهتاف بالشعارات الإنشائية دون أن يكون محتواها واضحا محددا ومدروسا. وبعبارة أخرى، فإننا عندما نقول نريد عودة مجلس الأمة، فلا يعني ذلك أن يتخيل بعض النواب أننا نريد عودتهم هم بنفس تصرفاتهم وعقلياتهم، فهم جزء من المشكلة لا الحل! وعندما نطالب بعودة البرلمان، لا نعني به عودة تلك الطبقة السياسية التي تسمت زورا بالرموز البرلمانية وأجبرت الناس على المشي خلفها -خشية أو حياء- في مهاوي الفساد والتكسب والشعبوية. نريد نظاما برلمانيا حقيقيا مسؤولا عن إدارة البلد بأكفأ أبنائه ليأتي يوم ونقول إن إنجازاتنا تحققت بفضل مجلس الأمة لا أن إنجازنا هو أن عندنا مجلس أمة فقط!

 

 

 

والله من وراء القصد،

No comments:

Post a Comment