Saturday, 21 June 2025

لماذا لا تحرق إيران إسرائيل؟

 لماذا لا تمحو ايران الكيان الصهيوني من الخارطة؟

هل كانت الشعارات الايرانية أكبر من قدراتها العسكرية؟
لماذا لا تسقط القتلى بالآلاف من الصهاينة؟
هل الضربات الايرانية دون المتوقع؟

في البداية يجب ان نكون صورة واقعية عن "المتوقع" ! ما الذي كان يتوقع من ايران؟ 
لأن خطأ التحليل ينتج في الغالب عن خطأ التقدير والتوقع. فلا يمكن لمتابع واقعي أن "يتوقع" ان بمقدور القدرات العسكرية الايرانية -على تطورها- أن تزيل الكيان الغاصب بضربة واحدة حاسمة ونهائية. أساسا لو كان هذا ممكنا لما توانت ايران عن فعله منذ زمن فهي تملك الدوافع والذرائع ولا تحتاج لمبرر.

لكن الواقع على الأرض أن ايران لا تزال في ميزان القوى الطرف الأقل قوة عسكريا في مواجهة الدول النووية العظمى مجتمعة. فالكيان اللقيط يملك سلاحا نوويا، احدث الطائرات الامريكية المقاتلة، ترسانة تدميرية كبيرة، ناهيك عن قدرات تقنية استخبارية متفوقة وكل ذلك بدعم صريح مباشر من الولايات المتحدة الامريكية.
نعم، ايران ليست ضعيفة، وليست عاجزة ، فهي تمتلك ايضا قدرات ردع استراتيجية وازنة -وليست دعائية- وإن لم تكن نووية، وقد أعدت ما استطاعت من قوة ومن رباط الخيل لإرهاب عدو الله وعدوها. وهنا يجب ان ننظر للأمور بنظرة واقعية.

ايران و رأس حربة محورها، قرأوا هذه المعطيات بشكل صحيح ومثير للإعجاب، فكانت الاستراتيجية هي الاستنزاف طويل الأمد أو كما سماه الشهيد الكبير السيد حسن نصرالله حرب النقاط وليس حرب الضربة القاضية. وغني عن الشرح، مدى مناسبة هذه الاستراتيجية لطرف قوي في مواجهة طرف اقوى مدعوم بقدرات العالم الغربي كله، حيث ان الاستنزاف وحرب النقاط تحقق الهدف الأساسي لاجتثاث هذا الكيان عن صدر فلسطين، والمعادلة بسيطة لكنها فعالة جدا: الكيان استيطاني وشريان حياته تدفق المستوطنين واستقرارهم، والاستنزاف سيخلق بيئة غير آمنة للمستوطن الصهيوني اليهودي الغربي، فيترك هذه الارض التي تلعنه إلى مقر آبائه وأجداده في شرق و غرب اوروبا وامريكا. وسيزول الكيان حين تنقلب الهجرة عكسية فيكون عدد المغادرين لأرض الميعاد أكبر من عدد القادمين إليها. ستستغرق العملية سنوات طويل لكن نجاحها شبه مضمون، وقد مضى المحور في ذلك مجدا حتى فاق عدد الفلسطينيين (مسلمين ومسيحيين) عدد اليهود على اراضي فلسطين التاريخية في ٢٠٢٣  وذلك لأول مرة منذ تأسيس الكيان الغاصب، ناهيك طبعا عن مثل هذا العدد من فلسطينيي الشتات الذين لا زالوا يملكون مفاتح بيوتهم في فلسطين التاريخية.
بالمقابل، لا يحتاج المتابع لكثير عناء ليعرف ان هذه الاستراتيجية اكثر جدوى في تقويض الكيان الصهيوني من سياسة الضربة القاضية التي ستجابه بشكل مباشر القدرات النووية الصهيونية ومن ورائها كل العالم الغربي المستعد لضخ المال والسلاح والتقنية في حرب وجودية، دون ان يكون لدى ايران و محورها تسليح مكافئ، ولا حلفاء يمكن الاعتماد عليهم من الدول العظمى كروسيا والصين، و مع جبهة داخلية يحاول الغرب غزوها ثقافيا وتحطيمها نفسيا، بالإضافة لبيئة عدائية بشكل كبير من أصحاب القضية وهم العرب. واذا استثنينا  من رحم ربي وبعض الحركات المقاومة الفلسطينية التي تقدر الدعم الايراني -عن اقتناع او عن ضرورة- فإننا نجد واقعا عربيا عدائيا في مجمله يرى قتال "الروافض" أكثر أولوية من الوقوف بوجه الصهيوني الذي يحتل أرضه! 
ومع هذه المعطيات، فأي حرب حاسمة يمكن أن تخوضها ايران ومحورها لتحرير فلسطين؟!
وما هي النتيجة متوقعة لتلك الحرب الكبرى ، مالم تحدث معجزة.

وبالرغم من ذلك، فإن ايران ومحور المقاومة صنعوا ما كان ينبغي لهم أن يصنعوا حين دقت ساعة الحرب، فلم يتخلوا عن مبادئهم ولم يسلموا حلفاءهم الفلسطينيين حين دخلوا في حرب مفتوحة مع الكيان لم يستشيروا في شنها ايران ولا الحزب. فدخلوا فيها دخول صاحب القضية وسخروا كل امكاناتهم العسكرية والسياسية والدبلوماسية لدعم القضية ولرفع معاناة ابطال غزة.

ونعود للسؤال الأساسي الآن -بعد ان شن الصهاينة حربا مباشرة على ايران- هل كان الرد الايراني على اغتيال القادة واستهداف المفاعلات اقل من "المتوقع"؟ 
في رأيي المتواضع، أن المعطيات هي هي، بل زادت سوءا بعد إسقاط النظام السوري، وتغيير الواقع السياسي اللبناني، فلا تزال الحرب الكبرى غير محبذة. وأما من يتساءل، ألم يكن بإمكان ايران أن تحرق اسرائيل؟ نعم، قد أوجعت ايران اسرائيل هذه المرة برد قوي أكثر عنفا من سابقيه، ويمكنها ان تكون أكثر عنفا وحرقا فهي تملك القدرة على ذلك، لكن بالمقابل، لكل شيء كلفة، ولإيران شعب ومدنيون وايران تنضح بالعملاء المتربصين ،وقد يجر ذلك الحرق اسرائيل وامريكا لاستخدام السلاح النووي وارتكاب المجازر المدمرة وانتهاز الفرصة لزعزعة النظام. ايران ردت عنيفا لكنه محسوب، ومن الواضح انها تستخدم قدراتها العسكرية القوية للردع لا للإبادة والحسم، وهمّ المحور ايقاف الحرب المجنونة التي يشنها مهووسو الدماء في تل ابيب وواشنطن، وقد يستدعي هذا الردع بعض الضربات النوعية العنيفة، لكنه سيبقى محسوبا ومتدرجا هدفه الردع لا محو الكيان.

وختاما، فليس هذا حجرا على إبداء الرأي في مجريات الامور وتفاصيلها، ولكنه دعوة لفهم الواقع وتعقّل كيف تدار الأمور من أناس خَبرنا إيمانهم بالقضية وشجاعتهم وحكمتهم. فلن نزايد على نظام تبنى قضية فلسطين ومجابهة الاستكبار العالمي وربيبته اسرائيل منذ تأسيسه، وضحى في سبيل ذلك بالكثير و دفع ولا يزال يدفع أغلى الأثمان. ولن نكون -ونحن لسنا في اتون المعركة- أعلم بها ممن يقاسي ويلاتها.
ولن نكون أغير على استشهاد القادة العسكريين والعلماء النوويين من قيادتهم التي اثبتت حنكتها و شجاعتها على مدى سنوات طوال. فهم يعرفون ما يفعلون ومتى يفعلون وأين يفعلون.

رحم الله شهداء فلسطين ومن ناصرها، وأرسل الله شآبيب رحمته على الشهداء كلما أرسلت شآبيب الصواريخ على الكيان اللقيط. 

No comments:

Post a Comment