.يرى أي متابع للساحة المحلية أن السياسة الحكومية بصدد التوسع في اتخاذ العديد من الإجراءات "التنظيمية" في جميع المجالات
وإحدى هذه المجالات هو الشؤون الدينية وممارساتها. وبغض النظر عن وجهة النظر في صواب أو خطأ هذه الإجراءات أو الهدف منها مما لا يسعنا الخوض فيه الآن، إلا أن من الواضح أن أتباع المذهب الجعفري مقبلون على أيام مختلفة في الفترة المقبلة قد يتغير فيها ما اعتادوا عليه من حريات وأعراف وتقاليد، بل وحتى أحكام فقهية بحتة.
وقد أطلقت صافرات الإنذار غير مرة، فمنذ ضوابط الرايات والإطعام في محرم الفائت إلى تسجيل الحسينيات في المنصة ثم ضوابط المساجد وأئمتها وأخيرا الظروف الأمنية التي نقلت الحسينيات إلى المدارس. ومع كثرة هذه الصافرات ووضوحها إلا أن الاستعدادات لا تبدو متواكبة مع الحدث المتوقع ولا تزال تنتهج سياسة انتظار الفعل للتفكير برد الفعل المناسب، وبالمحلي الفصيح سياسة "يصير خير"! اللهم إلا من رحم ربي من بعض العلماء وذوي البصائر الذين بدأوا في توعية الناس بما قد يواجهون من "تنظيم" لم يعتادوا عليه.
وحتى لا يخرج متزلف متحذلق ليمارس مغالطة مستهلكة منافحا عن الحكومة بأن الأمر ليس طائفيا وأن المسطرة واحدة والإجراءات تشمل الكل، فإني أقول ابتداء أني لست بصدد توجيه هذه التهمة أساسا ولا أقول إن الأمر طائفي أو أنه يستهدف الشيعة وحدهم، بل جل ما أنبه عليه أن هذه الإجراءات ستمس الشيعة -فيمن تمس- وستنتج واقعا جديدا لم يعتادوا عليه في ممارسات وشعائر اتباع المذهب الجعفري، فمن الأولى الاستعداد له حتى لا تخرج ردود فعل غير محسوبة يكون ضررها أكبر من نفعها.
منذ نشأة الكويت وتوطن الشيعة فيها، التف أبناء هذه الطائفة -كغيرهم- حول علمائهم وجعلوهم الناطق الرسمي في شؤونهم وممثليهم أمام الحكومة، وارتضت الحكومة ذلك حبا وطوعا لما له من فائدة في التعرف على رغبات هذه الفئة من الشعب واحتياجاتها وخصوصيتها، وسهولة مفاوضتها والاتفاق معها. وبلغت هذه العلاقة أوجها في فيما بين أواخر القرن التاسع عشر و النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تقلد علماء الشيعة موقعا قياديا في المجتمع لا في التصدي للشؤون الدينية للطائفة فحسب، بل في قيادة الموقف السياسي للطائفة بشكل عام كما في أحداث بناء السور، وحرب الجهراء وسنة المجلس..الخ.
إلا أن هذه المعادلة تغيرت بعد تأسيس الدولة الحديثة ونشأة مجلس الأمة فحل نوابه محل العلماء وصاروا حلقة الوصل بين الحكومة وجمهور الطائفة الجعفرية بحكم تمثيلهم لها، بل وحلقة الوصل بين الحكومة والعلماء أنفسهم، حيث انتهى ذلك التواصل المباشر بين الحكومة والعلماء. وانكفأ علماء البلد على دورهم الديني البحت في الإرشاد والتوجيه في المساجد، واكتفوا بتوجيه بعض النصائح فيما يتعلق بالجانب الفقهي لبعض القوانين عندما يتم استشارتهم من قبل النواب.
وإذا كانت المعادلة السابقة صالحة في الماضي القريب، فإنها لم تعد كذلك اليوم بعد أن تفككت حلقة الوصل الرئيسية المتمثلة بالنواب ومجلس الأمة، وهنا لا بد للطائفة من ابتكار وسائل تواصل جديدة مع الحكومة واختراع منصات مختلفة للتعبير عن مواقفها والدفاع عن حقوقها وبيان خصوصياتها ووجهات نظرها في المسائل العامة. ولعل أعناق أبناء هذه الفئة الاجتماعية تشرئب من جديد إلى علمائها لتسنم موقع قيادي في المجتمع في هذه الظروف الدقيقة لما لهم من الثقة الواسعة والاحترام لدى الدولة والشعبية الكبيرة لدى الناس. وليس هناك من يطرح استبدال السياسي بعالم الدين أو تحويل حلقات الذكر لمقرات أحزاب سياسية، لكن التطلع لدورهم القيادي لا يعدو فزعة الأمة لعلمائها في الملمات.
وإذا كان للعلماء وجه في عدم التصدي فيما مضى، بحجة عدم الحاجة للتدخل في الشأن العام لتوافر من يتصدى له من النواب، فإن الوضع اليوم مختلف، فلم يعد لهؤلاء النواب صفة ولا قدرة ونفوذ، ناهيك عن أن "النقاش" الحكومي اليوم لم يعد عن حقوق سياسية فحسب، بل وصل للشؤون الدينية البحتة كالمسجد والحسينية وزكاة الفطرة، ثم سيتبعها الخمس وغيره، وهي من الأمور التي لا يوجد من هو أقدر من السادة العلماء على التصدي لها وبيان الرأي الشرعي فيها وموقف الطائفة من "تنظيم" محتمل لها.
أما كيف يكون هذا التصدي من أصحاب السماحة والفضيلة، فلست بذي جرأة ولا تطاول على تحديد ذلك، لكن مما لا شك فيه أن هناك نواقص وفجوات يجب أن تسد، ومنها أن يجتمع العلماء -بكافة مشاربهم وتياراتهم- ببعضهم البعض اجتماعات دورية يكون هدفها -علاوة على الفوائد العلمية والاجتماعية – التداول في شؤون الطائفة وكيفية التعاطي بشأنها، وصولا لاتخاذ موقف جامع -سيما في الشؤون الدينية- وأن يعلن ذلك للناس بوسيلة أو بأخرى. ومن الأمور التي قد يحسن النقاش فيها، تشخيص الموقف العام لأبناء الطائفة، فهل الزمان زمان رفع الصوت والمطالبة بالحقوق، أم هو زمان تقية وصبر. فإن كان زمان صبر واحتساب، فليمهد بذلك للناس عن طريق تنسيق خطاب موحد في منابر الجمعة والحسينيات، ليعلم الناس ما يستقبلون من أمرهم ولا يخرج متحمس شاذا عن الموقف العام فيبتلى في نفسه وعياله ولا يقدر أحد على الذب عنه. ثم فليحدد الخط الأحمر الذي لا يجوز التنازل عنه، وليصل ذلك -بحب واحترام- لمن يعنيهم الأمر من مسؤولي الدولة ومسؤولي المؤسسات التي تمثل الطائفة كالحسينيات والمساجد.
No comments:
Post a Comment