Tuesday, 15 July 2025

العلماء و صافرات الإنذار

 .يرى أي متابع للساحة المحلية أن السياسة الحكومية بصدد التوسع في اتخاذ العديد من الإجراءات "التنظيمية" في جميع المجالات

وإحدى هذه المجالات هو الشؤون الدينية وممارساتها. وبغض النظر عن وجهة النظر في صواب أو خطأ هذه الإجراءات أو الهدف منها مما لا يسعنا الخوض فيه الآن، إلا أن من الواضح أن أتباع المذهب الجعفري مقبلون على أيام مختلفة في الفترة المقبلة قد يتغير فيها ما اعتادوا عليه من حريات وأعراف وتقاليد، بل وحتى أحكام فقهية بحتة. 

وقد أطلقت صافرات الإنذار غير مرة، فمنذ ضوابط الرايات والإطعام في محرم الفائت إلى تسجيل الحسينيات في المنصة ثم ضوابط المساجد وأئمتها وأخيرا الظروف الأمنية التي نقلت الحسينيات إلى المدارس. ومع كثرة هذه الصافرات ووضوحها إلا أن الاستعدادات لا تبدو متواكبة مع الحدث المتوقع ولا تزال تنتهج سياسة انتظار الفعل للتفكير برد الفعل المناسب، وبالمحلي الفصيح سياسة "يصير خير"! اللهم إلا من رحم ربي من بعض العلماء وذوي البصائر الذين بدأوا في توعية الناس بما قد يواجهون من "تنظيم" لم يعتادوا عليه.

 

وحتى لا يخرج متزلف متحذلق ليمارس مغالطة مستهلكة منافحا عن الحكومة بأن الأمر ليس طائفيا وأن المسطرة واحدة والإجراءات تشمل الكل، فإني أقول ابتداء أني لست بصدد توجيه هذه التهمة أساسا ولا أقول إن الأمر طائفي أو أنه يستهدف الشيعة وحدهم، بل جل ما أنبه عليه أن هذه الإجراءات ستمس الشيعة -فيمن تمس- وستنتج واقعا جديدا لم يعتادوا عليه في ممارسات وشعائر اتباع المذهب الجعفري، فمن الأولى الاستعداد له حتى لا تخرج ردود فعل غير محسوبة يكون ضررها أكبر من نفعها.

 

منذ نشأة الكويت وتوطن الشيعة فيها، التف أبناء هذه الطائفة -كغيرهم- حول علمائهم وجعلوهم الناطق الرسمي في شؤونهم وممثليهم أمام الحكومة، وارتضت الحكومة ذلك حبا وطوعا لما له من فائدة في التعرف على رغبات هذه الفئة من الشعب واحتياجاتها وخصوصيتها، وسهولة مفاوضتها والاتفاق معها. وبلغت هذه العلاقة أوجها في فيما بين أواخر القرن التاسع عشر و النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تقلد علماء الشيعة موقعا قياديا في المجتمع لا في التصدي للشؤون الدينية للطائفة فحسب، بل في قيادة الموقف السياسي للطائفة بشكل عام كما في أحداث بناء السور، وحرب الجهراء وسنة المجلس..الخ.

إلا أن هذه المعادلة تغيرت بعد تأسيس الدولة الحديثة ونشأة مجلس الأمة فحل نوابه محل العلماء وصاروا حلقة الوصل بين الحكومة وجمهور الطائفة الجعفرية بحكم تمثيلهم لها، بل وحلقة الوصل بين الحكومة والعلماء أنفسهم، حيث انتهى ذلك التواصل المباشر بين الحكومة والعلماء. وانكفأ علماء البلد على دورهم الديني البحت في الإرشاد والتوجيه في المساجد، واكتفوا بتوجيه بعض النصائح فيما يتعلق بالجانب الفقهي لبعض القوانين عندما يتم استشارتهم من قبل النواب.

 

وإذا كانت المعادلة السابقة صالحة في الماضي القريب، فإنها لم تعد كذلك اليوم بعد أن تفككت حلقة الوصل الرئيسية المتمثلة بالنواب ومجلس الأمة، وهنا لا بد للطائفة من ابتكار وسائل تواصل جديدة مع الحكومة واختراع منصات مختلفة للتعبير عن مواقفها والدفاع عن حقوقها وبيان خصوصياتها ووجهات نظرها في المسائل العامة. ولعل أعناق أبناء هذه الفئة الاجتماعية تشرئب من جديد إلى علمائها لتسنم موقع قيادي في المجتمع في هذه الظروف الدقيقة لما لهم من الثقة الواسعة والاحترام لدى الدولة والشعبية الكبيرة لدى الناس. وليس هناك من يطرح استبدال السياسي بعالم الدين أو تحويل حلقات الذكر لمقرات أحزاب سياسية، لكن التطلع لدورهم القيادي لا يعدو فزعة الأمة لعلمائها في الملمات.

وإذا كان للعلماء وجه في عدم التصدي فيما مضى، بحجة عدم الحاجة للتدخل في الشأن العام لتوافر من يتصدى له من النواب، فإن الوضع اليوم مختلف، فلم يعد لهؤلاء النواب صفة ولا قدرة ونفوذ، ناهيك عن أن "النقاش" الحكومي اليوم لم يعد عن حقوق سياسية فحسب، بل وصل للشؤون الدينية البحتة كالمسجد والحسينية وزكاة الفطرة، ثم سيتبعها الخمس وغيره، وهي من الأمور التي لا يوجد من هو أقدر من السادة العلماء على التصدي لها وبيان الرأي الشرعي فيها وموقف الطائفة من "تنظيم" محتمل لها.

 

أما كيف يكون هذا التصدي من أصحاب السماحة والفضيلة، فلست بذي جرأة ولا تطاول على تحديد ذلك، لكن مما لا شك فيه أن هناك نواقص وفجوات يجب أن تسد، ومنها أن يجتمع العلماء -بكافة مشاربهم وتياراتهم- ببعضهم البعض اجتماعات دورية يكون هدفها -علاوة على الفوائد العلمية والاجتماعية – التداول في شؤون الطائفة وكيفية التعاطي بشأنها، وصولا لاتخاذ موقف جامع -سيما في الشؤون الدينية- وأن يعلن ذلك للناس بوسيلة أو بأخرى. ومن الأمور التي قد يحسن النقاش فيها، تشخيص الموقف العام لأبناء الطائفة، فهل الزمان زمان رفع الصوت والمطالبة بالحقوق، أم هو زمان تقية وصبر. فإن كان زمان صبر واحتساب، فليمهد بذلك للناس عن طريق تنسيق خطاب موحد في منابر الجمعة والحسينيات، ليعلم الناس ما يستقبلون من أمرهم ولا يخرج متحمس شاذا عن الموقف العام فيبتلى في نفسه وعياله ولا يقدر أحد على الذب عنه. ثم فليحدد الخط الأحمر الذي لا يجوز التنازل عنه، وليصل ذلك -بحب واحترام- لمن يعنيهم الأمر من مسؤولي الدولة ومسؤولي المؤسسات التي تمثل الطائفة كالحسينيات والمساجد. 

 

ولعل الخير فيما وقع، ورب ضارة نافعة. فلعل هذا الوضع يكون دافعا ليلتقي أصحاب الفضيلة من علماء هذا البلد بشكل دوري، ويكونوا على كلمة واحدة لما فيه خير هذا البلد وصلاحه. ولربما سبق عوام هذه الطائفة علماءهم في اجتماعهم ووحدتهم فقد نبذوا التعصبات العرقية والتحزبات المرجعية واتخذوها وراءهم ظهريا، فأصبحت الساحة ممهدة لاجتماع نخبة علماء هذه الطائفة بجميع تياراتهم وفئاتهم على أمر سواء يكون لله فيه رضا ولهذه البلد بجميع مكوناته خير وصلاح.

Saturday, 21 June 2025

لماذا لا تحرق إيران إسرائيل؟

 لماذا لا تمحو ايران الكيان الصهيوني من الخارطة؟

هل كانت الشعارات الايرانية أكبر من قدراتها العسكرية؟
لماذا لا تسقط القتلى بالآلاف من الصهاينة؟
هل الضربات الايرانية دون المتوقع؟

في البداية يجب ان نكون صورة واقعية عن "المتوقع" ! ما الذي كان يتوقع من ايران؟ 
لأن خطأ التحليل ينتج في الغالب عن خطأ التقدير والتوقع. فلا يمكن لمتابع واقعي أن "يتوقع" ان بمقدور القدرات العسكرية الايرانية -على تطورها- أن تزيل الكيان الغاصب بضربة واحدة حاسمة ونهائية. أساسا لو كان هذا ممكنا لما توانت ايران عن فعله منذ زمن فهي تملك الدوافع والذرائع ولا تحتاج لمبرر.

لكن الواقع على الأرض أن ايران لا تزال في ميزان القوى الطرف الأقل قوة عسكريا في مواجهة الدول النووية العظمى مجتمعة. فالكيان اللقيط يملك سلاحا نوويا، احدث الطائرات الامريكية المقاتلة، ترسانة تدميرية كبيرة، ناهيك عن قدرات تقنية استخبارية متفوقة وكل ذلك بدعم صريح مباشر من الولايات المتحدة الامريكية.
نعم، ايران ليست ضعيفة، وليست عاجزة ، فهي تمتلك ايضا قدرات ردع استراتيجية وازنة -وليست دعائية- وإن لم تكن نووية، وقد أعدت ما استطاعت من قوة ومن رباط الخيل لإرهاب عدو الله وعدوها. وهنا يجب ان ننظر للأمور بنظرة واقعية.

ايران و رأس حربة محورها، قرأوا هذه المعطيات بشكل صحيح ومثير للإعجاب، فكانت الاستراتيجية هي الاستنزاف طويل الأمد أو كما سماه الشهيد الكبير السيد حسن نصرالله حرب النقاط وليس حرب الضربة القاضية. وغني عن الشرح، مدى مناسبة هذه الاستراتيجية لطرف قوي في مواجهة طرف اقوى مدعوم بقدرات العالم الغربي كله، حيث ان الاستنزاف وحرب النقاط تحقق الهدف الأساسي لاجتثاث هذا الكيان عن صدر فلسطين، والمعادلة بسيطة لكنها فعالة جدا: الكيان استيطاني وشريان حياته تدفق المستوطنين واستقرارهم، والاستنزاف سيخلق بيئة غير آمنة للمستوطن الصهيوني اليهودي الغربي، فيترك هذه الارض التي تلعنه إلى مقر آبائه وأجداده في شرق و غرب اوروبا وامريكا. وسيزول الكيان حين تنقلب الهجرة عكسية فيكون عدد المغادرين لأرض الميعاد أكبر من عدد القادمين إليها. ستستغرق العملية سنوات طويل لكن نجاحها شبه مضمون، وقد مضى المحور في ذلك مجدا حتى فاق عدد الفلسطينيين (مسلمين ومسيحيين) عدد اليهود على اراضي فلسطين التاريخية في ٢٠٢٣  وذلك لأول مرة منذ تأسيس الكيان الغاصب، ناهيك طبعا عن مثل هذا العدد من فلسطينيي الشتات الذين لا زالوا يملكون مفاتح بيوتهم في فلسطين التاريخية.
بالمقابل، لا يحتاج المتابع لكثير عناء ليعرف ان هذه الاستراتيجية اكثر جدوى في تقويض الكيان الصهيوني من سياسة الضربة القاضية التي ستجابه بشكل مباشر القدرات النووية الصهيونية ومن ورائها كل العالم الغربي المستعد لضخ المال والسلاح والتقنية في حرب وجودية، دون ان يكون لدى ايران و محورها تسليح مكافئ، ولا حلفاء يمكن الاعتماد عليهم من الدول العظمى كروسيا والصين، و مع جبهة داخلية يحاول الغرب غزوها ثقافيا وتحطيمها نفسيا، بالإضافة لبيئة عدائية بشكل كبير من أصحاب القضية وهم العرب. واذا استثنينا  من رحم ربي وبعض الحركات المقاومة الفلسطينية التي تقدر الدعم الايراني -عن اقتناع او عن ضرورة- فإننا نجد واقعا عربيا عدائيا في مجمله يرى قتال "الروافض" أكثر أولوية من الوقوف بوجه الصهيوني الذي يحتل أرضه! 
ومع هذه المعطيات، فأي حرب حاسمة يمكن أن تخوضها ايران ومحورها لتحرير فلسطين؟!
وما هي النتيجة متوقعة لتلك الحرب الكبرى ، مالم تحدث معجزة.

وبالرغم من ذلك، فإن ايران ومحور المقاومة صنعوا ما كان ينبغي لهم أن يصنعوا حين دقت ساعة الحرب، فلم يتخلوا عن مبادئهم ولم يسلموا حلفاءهم الفلسطينيين حين دخلوا في حرب مفتوحة مع الكيان لم يستشيروا في شنها ايران ولا الحزب. فدخلوا فيها دخول صاحب القضية وسخروا كل امكاناتهم العسكرية والسياسية والدبلوماسية لدعم القضية ولرفع معاناة ابطال غزة.

ونعود للسؤال الأساسي الآن -بعد ان شن الصهاينة حربا مباشرة على ايران- هل كان الرد الايراني على اغتيال القادة واستهداف المفاعلات اقل من "المتوقع"؟ 
في رأيي المتواضع، أن المعطيات هي هي، بل زادت سوءا بعد إسقاط النظام السوري، وتغيير الواقع السياسي اللبناني، فلا تزال الحرب الكبرى غير محبذة. وأما من يتساءل، ألم يكن بإمكان ايران أن تحرق اسرائيل؟ نعم، قد أوجعت ايران اسرائيل هذه المرة برد قوي أكثر عنفا من سابقيه، ويمكنها ان تكون أكثر عنفا وحرقا فهي تملك القدرة على ذلك، لكن بالمقابل، لكل شيء كلفة، ولإيران شعب ومدنيون وايران تنضح بالعملاء المتربصين ،وقد يجر ذلك الحرق اسرائيل وامريكا لاستخدام السلاح النووي وارتكاب المجازر المدمرة وانتهاز الفرصة لزعزعة النظام. ايران ردت عنيفا لكنه محسوب، ومن الواضح انها تستخدم قدراتها العسكرية القوية للردع لا للإبادة والحسم، وهمّ المحور ايقاف الحرب المجنونة التي يشنها مهووسو الدماء في تل ابيب وواشنطن، وقد يستدعي هذا الردع بعض الضربات النوعية العنيفة، لكنه سيبقى محسوبا ومتدرجا هدفه الردع لا محو الكيان.

وختاما، فليس هذا حجرا على إبداء الرأي في مجريات الامور وتفاصيلها، ولكنه دعوة لفهم الواقع وتعقّل كيف تدار الأمور من أناس خَبرنا إيمانهم بالقضية وشجاعتهم وحكمتهم. فلن نزايد على نظام تبنى قضية فلسطين ومجابهة الاستكبار العالمي وربيبته اسرائيل منذ تأسيسه، وضحى في سبيل ذلك بالكثير و دفع ولا يزال يدفع أغلى الأثمان. ولن نكون -ونحن لسنا في اتون المعركة- أعلم بها ممن يقاسي ويلاتها.
ولن نكون أغير على استشهاد القادة العسكريين والعلماء النوويين من قيادتهم التي اثبتت حنكتها و شجاعتها على مدى سنوات طوال. فهم يعرفون ما يفعلون ومتى يفعلون وأين يفعلون.

رحم الله شهداء فلسطين ومن ناصرها، وأرسل الله شآبيب رحمته على الشهداء كلما أرسلت شآبيب الصواريخ على الكيان اللقيط.