Tuesday, 15 July 2025

العلماء و صافرات الإنذار

 .يرى أي متابع للساحة المحلية أن السياسة الحكومية بصدد التوسع في اتخاذ العديد من الإجراءات "التنظيمية" في جميع المجالات

وإحدى هذه المجالات هو الشؤون الدينية وممارساتها. وبغض النظر عن وجهة النظر في صواب أو خطأ هذه الإجراءات أو الهدف منها مما لا يسعنا الخوض فيه الآن، إلا أن من الواضح أن أتباع المذهب الجعفري مقبلون على أيام مختلفة في الفترة المقبلة قد يتغير فيها ما اعتادوا عليه من حريات وأعراف وتقاليد، بل وحتى أحكام فقهية بحتة. 

وقد أطلقت صافرات الإنذار غير مرة، فمنذ ضوابط الرايات والإطعام في محرم الفائت إلى تسجيل الحسينيات في المنصة ثم ضوابط المساجد وأئمتها وأخيرا الظروف الأمنية التي نقلت الحسينيات إلى المدارس. ومع كثرة هذه الصافرات ووضوحها إلا أن الاستعدادات لا تبدو متواكبة مع الحدث المتوقع ولا تزال تنتهج سياسة انتظار الفعل للتفكير برد الفعل المناسب، وبالمحلي الفصيح سياسة "يصير خير"! اللهم إلا من رحم ربي من بعض العلماء وذوي البصائر الذين بدأوا في توعية الناس بما قد يواجهون من "تنظيم" لم يعتادوا عليه.

 

وحتى لا يخرج متزلف متحذلق ليمارس مغالطة مستهلكة منافحا عن الحكومة بأن الأمر ليس طائفيا وأن المسطرة واحدة والإجراءات تشمل الكل، فإني أقول ابتداء أني لست بصدد توجيه هذه التهمة أساسا ولا أقول إن الأمر طائفي أو أنه يستهدف الشيعة وحدهم، بل جل ما أنبه عليه أن هذه الإجراءات ستمس الشيعة -فيمن تمس- وستنتج واقعا جديدا لم يعتادوا عليه في ممارسات وشعائر اتباع المذهب الجعفري، فمن الأولى الاستعداد له حتى لا تخرج ردود فعل غير محسوبة يكون ضررها أكبر من نفعها.

 

منذ نشأة الكويت وتوطن الشيعة فيها، التف أبناء هذه الطائفة -كغيرهم- حول علمائهم وجعلوهم الناطق الرسمي في شؤونهم وممثليهم أمام الحكومة، وارتضت الحكومة ذلك حبا وطوعا لما له من فائدة في التعرف على رغبات هذه الفئة من الشعب واحتياجاتها وخصوصيتها، وسهولة مفاوضتها والاتفاق معها. وبلغت هذه العلاقة أوجها في فيما بين أواخر القرن التاسع عشر و النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تقلد علماء الشيعة موقعا قياديا في المجتمع لا في التصدي للشؤون الدينية للطائفة فحسب، بل في قيادة الموقف السياسي للطائفة بشكل عام كما في أحداث بناء السور، وحرب الجهراء وسنة المجلس..الخ.

إلا أن هذه المعادلة تغيرت بعد تأسيس الدولة الحديثة ونشأة مجلس الأمة فحل نوابه محل العلماء وصاروا حلقة الوصل بين الحكومة وجمهور الطائفة الجعفرية بحكم تمثيلهم لها، بل وحلقة الوصل بين الحكومة والعلماء أنفسهم، حيث انتهى ذلك التواصل المباشر بين الحكومة والعلماء. وانكفأ علماء البلد على دورهم الديني البحت في الإرشاد والتوجيه في المساجد، واكتفوا بتوجيه بعض النصائح فيما يتعلق بالجانب الفقهي لبعض القوانين عندما يتم استشارتهم من قبل النواب.

 

وإذا كانت المعادلة السابقة صالحة في الماضي القريب، فإنها لم تعد كذلك اليوم بعد أن تفككت حلقة الوصل الرئيسية المتمثلة بالنواب ومجلس الأمة، وهنا لا بد للطائفة من ابتكار وسائل تواصل جديدة مع الحكومة واختراع منصات مختلفة للتعبير عن مواقفها والدفاع عن حقوقها وبيان خصوصياتها ووجهات نظرها في المسائل العامة. ولعل أعناق أبناء هذه الفئة الاجتماعية تشرئب من جديد إلى علمائها لتسنم موقع قيادي في المجتمع في هذه الظروف الدقيقة لما لهم من الثقة الواسعة والاحترام لدى الدولة والشعبية الكبيرة لدى الناس. وليس هناك من يطرح استبدال السياسي بعالم الدين أو تحويل حلقات الذكر لمقرات أحزاب سياسية، لكن التطلع لدورهم القيادي لا يعدو فزعة الأمة لعلمائها في الملمات.

وإذا كان للعلماء وجه في عدم التصدي فيما مضى، بحجة عدم الحاجة للتدخل في الشأن العام لتوافر من يتصدى له من النواب، فإن الوضع اليوم مختلف، فلم يعد لهؤلاء النواب صفة ولا قدرة ونفوذ، ناهيك عن أن "النقاش" الحكومي اليوم لم يعد عن حقوق سياسية فحسب، بل وصل للشؤون الدينية البحتة كالمسجد والحسينية وزكاة الفطرة، ثم سيتبعها الخمس وغيره، وهي من الأمور التي لا يوجد من هو أقدر من السادة العلماء على التصدي لها وبيان الرأي الشرعي فيها وموقف الطائفة من "تنظيم" محتمل لها.

 

أما كيف يكون هذا التصدي من أصحاب السماحة والفضيلة، فلست بذي جرأة ولا تطاول على تحديد ذلك، لكن مما لا شك فيه أن هناك نواقص وفجوات يجب أن تسد، ومنها أن يجتمع العلماء -بكافة مشاربهم وتياراتهم- ببعضهم البعض اجتماعات دورية يكون هدفها -علاوة على الفوائد العلمية والاجتماعية – التداول في شؤون الطائفة وكيفية التعاطي بشأنها، وصولا لاتخاذ موقف جامع -سيما في الشؤون الدينية- وأن يعلن ذلك للناس بوسيلة أو بأخرى. ومن الأمور التي قد يحسن النقاش فيها، تشخيص الموقف العام لأبناء الطائفة، فهل الزمان زمان رفع الصوت والمطالبة بالحقوق، أم هو زمان تقية وصبر. فإن كان زمان صبر واحتساب، فليمهد بذلك للناس عن طريق تنسيق خطاب موحد في منابر الجمعة والحسينيات، ليعلم الناس ما يستقبلون من أمرهم ولا يخرج متحمس شاذا عن الموقف العام فيبتلى في نفسه وعياله ولا يقدر أحد على الذب عنه. ثم فليحدد الخط الأحمر الذي لا يجوز التنازل عنه، وليصل ذلك -بحب واحترام- لمن يعنيهم الأمر من مسؤولي الدولة ومسؤولي المؤسسات التي تمثل الطائفة كالحسينيات والمساجد. 

 

ولعل الخير فيما وقع، ورب ضارة نافعة. فلعل هذا الوضع يكون دافعا ليلتقي أصحاب الفضيلة من علماء هذا البلد بشكل دوري، ويكونوا على كلمة واحدة لما فيه خير هذا البلد وصلاحه. ولربما سبق عوام هذه الطائفة علماءهم في اجتماعهم ووحدتهم فقد نبذوا التعصبات العرقية والتحزبات المرجعية واتخذوها وراءهم ظهريا، فأصبحت الساحة ممهدة لاجتماع نخبة علماء هذه الطائفة بجميع تياراتهم وفئاتهم على أمر سواء يكون لله فيه رضا ولهذه البلد بجميع مكوناته خير وصلاح.

Saturday, 21 June 2025

لماذا لا تحرق إيران إسرائيل؟

 لماذا لا تمحو ايران الكيان الصهيوني من الخارطة؟

هل كانت الشعارات الايرانية أكبر من قدراتها العسكرية؟
لماذا لا تسقط القتلى بالآلاف من الصهاينة؟
هل الضربات الايرانية دون المتوقع؟

في البداية يجب ان نكون صورة واقعية عن "المتوقع" ! ما الذي كان يتوقع من ايران؟ 
لأن خطأ التحليل ينتج في الغالب عن خطأ التقدير والتوقع. فلا يمكن لمتابع واقعي أن "يتوقع" ان بمقدور القدرات العسكرية الايرانية -على تطورها- أن تزيل الكيان الغاصب بضربة واحدة حاسمة ونهائية. أساسا لو كان هذا ممكنا لما توانت ايران عن فعله منذ زمن فهي تملك الدوافع والذرائع ولا تحتاج لمبرر.

لكن الواقع على الأرض أن ايران لا تزال في ميزان القوى الطرف الأقل قوة عسكريا في مواجهة الدول النووية العظمى مجتمعة. فالكيان اللقيط يملك سلاحا نوويا، احدث الطائرات الامريكية المقاتلة، ترسانة تدميرية كبيرة، ناهيك عن قدرات تقنية استخبارية متفوقة وكل ذلك بدعم صريح مباشر من الولايات المتحدة الامريكية.
نعم، ايران ليست ضعيفة، وليست عاجزة ، فهي تمتلك ايضا قدرات ردع استراتيجية وازنة -وليست دعائية- وإن لم تكن نووية، وقد أعدت ما استطاعت من قوة ومن رباط الخيل لإرهاب عدو الله وعدوها. وهنا يجب ان ننظر للأمور بنظرة واقعية.

ايران و رأس حربة محورها، قرأوا هذه المعطيات بشكل صحيح ومثير للإعجاب، فكانت الاستراتيجية هي الاستنزاف طويل الأمد أو كما سماه الشهيد الكبير السيد حسن نصرالله حرب النقاط وليس حرب الضربة القاضية. وغني عن الشرح، مدى مناسبة هذه الاستراتيجية لطرف قوي في مواجهة طرف اقوى مدعوم بقدرات العالم الغربي كله، حيث ان الاستنزاف وحرب النقاط تحقق الهدف الأساسي لاجتثاث هذا الكيان عن صدر فلسطين، والمعادلة بسيطة لكنها فعالة جدا: الكيان استيطاني وشريان حياته تدفق المستوطنين واستقرارهم، والاستنزاف سيخلق بيئة غير آمنة للمستوطن الصهيوني اليهودي الغربي، فيترك هذه الارض التي تلعنه إلى مقر آبائه وأجداده في شرق و غرب اوروبا وامريكا. وسيزول الكيان حين تنقلب الهجرة عكسية فيكون عدد المغادرين لأرض الميعاد أكبر من عدد القادمين إليها. ستستغرق العملية سنوات طويل لكن نجاحها شبه مضمون، وقد مضى المحور في ذلك مجدا حتى فاق عدد الفلسطينيين (مسلمين ومسيحيين) عدد اليهود على اراضي فلسطين التاريخية في ٢٠٢٣  وذلك لأول مرة منذ تأسيس الكيان الغاصب، ناهيك طبعا عن مثل هذا العدد من فلسطينيي الشتات الذين لا زالوا يملكون مفاتح بيوتهم في فلسطين التاريخية.
بالمقابل، لا يحتاج المتابع لكثير عناء ليعرف ان هذه الاستراتيجية اكثر جدوى في تقويض الكيان الصهيوني من سياسة الضربة القاضية التي ستجابه بشكل مباشر القدرات النووية الصهيونية ومن ورائها كل العالم الغربي المستعد لضخ المال والسلاح والتقنية في حرب وجودية، دون ان يكون لدى ايران و محورها تسليح مكافئ، ولا حلفاء يمكن الاعتماد عليهم من الدول العظمى كروسيا والصين، و مع جبهة داخلية يحاول الغرب غزوها ثقافيا وتحطيمها نفسيا، بالإضافة لبيئة عدائية بشكل كبير من أصحاب القضية وهم العرب. واذا استثنينا  من رحم ربي وبعض الحركات المقاومة الفلسطينية التي تقدر الدعم الايراني -عن اقتناع او عن ضرورة- فإننا نجد واقعا عربيا عدائيا في مجمله يرى قتال "الروافض" أكثر أولوية من الوقوف بوجه الصهيوني الذي يحتل أرضه! 
ومع هذه المعطيات، فأي حرب حاسمة يمكن أن تخوضها ايران ومحورها لتحرير فلسطين؟!
وما هي النتيجة متوقعة لتلك الحرب الكبرى ، مالم تحدث معجزة.

وبالرغم من ذلك، فإن ايران ومحور المقاومة صنعوا ما كان ينبغي لهم أن يصنعوا حين دقت ساعة الحرب، فلم يتخلوا عن مبادئهم ولم يسلموا حلفاءهم الفلسطينيين حين دخلوا في حرب مفتوحة مع الكيان لم يستشيروا في شنها ايران ولا الحزب. فدخلوا فيها دخول صاحب القضية وسخروا كل امكاناتهم العسكرية والسياسية والدبلوماسية لدعم القضية ولرفع معاناة ابطال غزة.

ونعود للسؤال الأساسي الآن -بعد ان شن الصهاينة حربا مباشرة على ايران- هل كان الرد الايراني على اغتيال القادة واستهداف المفاعلات اقل من "المتوقع"؟ 
في رأيي المتواضع، أن المعطيات هي هي، بل زادت سوءا بعد إسقاط النظام السوري، وتغيير الواقع السياسي اللبناني، فلا تزال الحرب الكبرى غير محبذة. وأما من يتساءل، ألم يكن بإمكان ايران أن تحرق اسرائيل؟ نعم، قد أوجعت ايران اسرائيل هذه المرة برد قوي أكثر عنفا من سابقيه، ويمكنها ان تكون أكثر عنفا وحرقا فهي تملك القدرة على ذلك، لكن بالمقابل، لكل شيء كلفة، ولإيران شعب ومدنيون وايران تنضح بالعملاء المتربصين ،وقد يجر ذلك الحرق اسرائيل وامريكا لاستخدام السلاح النووي وارتكاب المجازر المدمرة وانتهاز الفرصة لزعزعة النظام. ايران ردت عنيفا لكنه محسوب، ومن الواضح انها تستخدم قدراتها العسكرية القوية للردع لا للإبادة والحسم، وهمّ المحور ايقاف الحرب المجنونة التي يشنها مهووسو الدماء في تل ابيب وواشنطن، وقد يستدعي هذا الردع بعض الضربات النوعية العنيفة، لكنه سيبقى محسوبا ومتدرجا هدفه الردع لا محو الكيان.

وختاما، فليس هذا حجرا على إبداء الرأي في مجريات الامور وتفاصيلها، ولكنه دعوة لفهم الواقع وتعقّل كيف تدار الأمور من أناس خَبرنا إيمانهم بالقضية وشجاعتهم وحكمتهم. فلن نزايد على نظام تبنى قضية فلسطين ومجابهة الاستكبار العالمي وربيبته اسرائيل منذ تأسيسه، وضحى في سبيل ذلك بالكثير و دفع ولا يزال يدفع أغلى الأثمان. ولن نكون -ونحن لسنا في اتون المعركة- أعلم بها ممن يقاسي ويلاتها.
ولن نكون أغير على استشهاد القادة العسكريين والعلماء النوويين من قيادتهم التي اثبتت حنكتها و شجاعتها على مدى سنوات طوال. فهم يعرفون ما يفعلون ومتى يفعلون وأين يفعلون.

رحم الله شهداء فلسطين ومن ناصرها، وأرسل الله شآبيب رحمته على الشهداء كلما أرسلت شآبيب الصواريخ على الكيان اللقيط. 

Saturday, 29 June 2024

خمسون يوما على حل مجلس الأمة

مضى أكثر من شهر على حل مجلس الأمة من قبل سمو أمير البلاد، وتعليق العمل ببعض مواد الدستور. خمسون يوما امتنعت فيها الطبقة السياسية برمتها عن أي تعليق على التعليق. ولئن كان لهذا الصمت الاحتجاجي أسبابه ومبرراته الواضحة، إلا أن هذا الصمت من رجالات الدولة يولد فراغا يدفع أمثالي من رجال الشارع للتعليق على حدث جلل كهذا -يمس حياة ومستقبل كل مواطن- في ظل الفسحة التي لا يزال يسمح بها الدستور العتيد.

 

لا ينتطح عنزان في أن الكويت قد وصلت إلى حال غير مسبوق من التردي في إدارة البلد وتنمية موارده، لكن الخلاف كان في كيفية الخروج من هذا المأزق. وبعيدا عن الكثير من الشكليات والقشور التي كانت الطبقة السياسية تتشبث بها وتجعلها أس أساس تخلف البلد، والتي بدت اليوم سخيفة جدا وغير ذات أهمية حين هدأ الصراخ المفتعل وأغلقت الميكروفونات. ففي رأيي المتواضع أن رموز الطبقة السياسية السابقة جهلت أو تجاهلت عن عمد الجذور الحقيقية للأزمات المتكررة واختارت القتال في الجبهات الصغيرة موهمة الجمهور أنها "أولويات" وأن الانتصار فيها هو سبيل الخلاص، وعلى الرغم من تحقيق بعض الانتصارات في هذه المعارك الفنجانية إلا أن المن والسلوى لم ينزل من السماء، وفي هذه الأثناء كانت الدولة تدور في حلقة مفرغة. وبالرجوع للتحليل الحقيقي لجذور الأزمات، نجد أن الممارسة السياسية كشفت العيوب المخفية في دستور ٦٢، والذي أصبح عائقا أمام التطور المجتمعي. ولعل أبرز هذه العيوب التي كشف عنها الغطاء، هي فشل النظام السياسي الهجين، فالحكومة التي يعينها سمو أمير البلاد تبقى مكشوفة الظهر أمام مجلس منتخب على أسس المصالح والأعراق، ويستطيع نائب واحد أن يوقفها على رجل واحدة باستجواب تلو استجواب. ولا يكون أمام حكومة كهذه -لم تحظ بثقة البرلمان- إلا أن تحاول حماية ظهرها بشراء نوابه، فتشتري النواب بالمال، والمناصب والهبات، وتقبل المساومة على مصلحة الوطن العليا مقابل إطالة عمرها بضعة أشهر أو حماية أحد وزرائها من استجواب يسقطه، فانشغلت الحكومات المتعاقبة بحماية نفسها عن القيام بدورها في إدارة البلد، وانشغل كثير من النواب بابتزاز الحكومة لدغدغة مشاعر ناخبيهم، وطفقوا يتنافسون في طلبات فاقت ضخامتها طلبات علاء الدين من جني المصباح دون حساب لمصلحة الوطن أو ميزانيته وهذا أمر طبيعي، فهم لا يشكلون الحكومة ولا يشعرون بمسؤولية إدارة موارد البلد. هذا الخلل البنيوي في الدستور هو حجر الزاوية في كل الأزمات التي تراكمت على وضع البلاد السياسي.

 

ولطالما صرخ العقلاء ونادى أصحاب الرأي بضرورة الإصلاح السياسي الحقيقي -لا الشعاراتي- تحذيرا من الغرق في دوامة الأزمات. لكن السياسيين لم يكونوا يسمعون إلا صدى أصواتهم، تزيدهم صفقات الجماهير حماسا واقتناعا بصحة مواقفهم الساذجة، والتي قد تختزل أحيانا كل مشاكل البلد في فلان أو علان، وأن معركة الإطاحة به هي الفتح المبين الذي من بعده يأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم.  إزاء هذا الوضع السياسي المعوق، وإدارة البلد المشلولة، كان لا بد من وضع العصا في هذه العجلة المجنونة، وهنا برزت عدة خيارات، منها ما كنت وغيري نتبناه -ولا أزال- من أن السبيل الوحيد للخروج من الدوامة هو تطوير الدستور ومعالجة اختلالاته البنيوية ليحمل الأمة مسؤولية اختيار من وكيف يدار البلد بدلا من جعل الشعب مجموعة من البشر الكسالى المعوقين والاتكاليين لا شغل لهم سوى انتاج نواب ليعطوهم مزايا وهبات ويزيحوا عن كاهلهم ما أمكن من واجبات ومسؤوليات عن طريق ابتزاز الحكومة. الرأي الآخر كان بالضد من هذا تماما، وهو إلغاء الحياة الديمقراطية برمتها وسلب الأمة أي حق في تمثيل نفسها، وعودة الوضع المشيخي والإدارة الفردية للبلد. غير أن سمو أمير البلاد لم يختر هذا ولا ذاك، بل قرر أن يضع العصا في العجلة ويوقف المشهد السياسي كله لبرهة من الزمن ليفكر الجميع فيما آل إليه الوضع وكيفية الخروج منه. سمو الأمير لم يأخذ بالرأي الداعي لتطوير الدستور في ظل النظام القائم، ولم يلغ الدستور والديمقراطية للأبد، بل اختار أمرا بين أمرين، فعلق البرلمان لفترة زمنية محددة كما أبدى انفتاحه على فكرة مراجعة المسيرة الديمقراطية كما جاء في خطابه الأخير. 

 

وبغض النظر عن المعطيات المتوفرة لسمو الأمير والتي دعته لهذا القرار، فإن القرار قد اتخذ والأمر قد صدر وأصبح أمرا واقعا، وهنا يصبح الناس أمام عدة خيارات: الاحتجاج الصريح وتحدي إرادة صاحب السمو، وهو -بحمدالله- مالم يحصل في الفترة الماضية، فقد استبشر المؤيدون، وصمت الكارهون مرددين الآية الكريمة "وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا". أما الخيار الآخر فهو ما يفعله المنافقون في كل زمان ومكان، فيحاولون إيجاد حظوة لهم لدى السلطة عن طريق التملق والتحريض على الآخرين، فلا يقدرون على تلميع أنفسهم إلا بتخوين وطعن مخالفيهم في الرأي. أما الخيار الثالث، وهو ما أظنه الأصوب، هو التذكير في كل مناسبة وبكل وسيلة بضرورة عودة البرلمان وعدم الركون إلى فردية الإدارة، ومن جانب آخر، فإن قرارات سمو الأمير اقتصرت على تعليق البرلمان، ولم تمس بقية مواد الدستور التي تحمي الحريات بما فيها حرية التعبير. نعم، عملت الجهات الأمنية على ملاحقة من تجاوز المادة الرابعة والخمسين من الدستور حصرا (صيانة الذات الأميرية)، لكن لا تزال هناك ١٩ مادة في الباب الثاني و٢٢ مادة في الباب الثالث كلها تتعلق بالحريات والحقوق، لم يمسها التعليق. وفي نظري القاصر، أن الحفاظ على هذه الحريات والمكتسبات إنما هو بأيدي الناس لا الحكومة. فإذا ركن الناس إلى الخوف والرهبة من الحديث في الشأن السياسي العام وغيره، فهم يقلصون هامش حرياتهم بأيديهم عمليا، وستتقبل الحكومة هذا الواقع الجديد بقبول حسن وتجعل الحديث في هذه الشؤون خطا أحمر لا يمكن تجاوزه بلا سند قانوني ولا دستوري ولا حتى أمر أميري. والمنطق يحتم -والحال هذه- أن يبادر الناس بتوسيع هامش حرياتهم بأنفسهم من خلال ترسيخ هذه الحريات عمليا وبشتى الوسائل، فالمغرد يجب أن يستمر بالتغريد، والمدون والكاتب والصحف وجمعيات النفع العام والتيارات السياسية -أو ما تبقى من جثثها الهامدة- كلهم يجب أن يستمروا بنفس ما كانوا يقومون به قبل تعليق المجلس للحفاظ على هذه المكتسبات. يجب ألا تترك الحكومة لوحدها -وإن غاب المجلس-، فالحاجة للنقد البناء في هذه الفترة الحرجة تصبح أكثر إلحاحا، وإلا حولنا وزراءنا لمجموعة من الطواغيت الذين لا يسمعون سوى صدى أصواتهم ولا يرونا إلا ما يرون. وفي هذا الوضع الجديد، من الوارد أن يسقط بعض ضحايا القلم في شراك الملاحقات القانونية لعدم وضوح السقف الذي تسمح به الحكومة الحالية وأيضا لغياب ضمانة كبيرة بحجم مجلس الأمة، لكن هذا كله لا ينبغي أن يقلل من أهمية توجيه النقد البناء والتصويب للحكومة ونصحها بالحكمة والموعظة الحسنة لئلا يتحول الوزير إلى دكتاتور. غني عن القول، أن الحكمة، بل المنطق يستوجب اقتصار النقد البناء على الحكومة ومسؤوليها، دون أن يمتد ذلك للتجريح بالقيادة السياسية حتى لا يهبط سقف طموحاتنا من عودة البرلمان وإصلاح الدستور إلى العفو عن المحكومين وعودة المهجرين. فلنبق سقف طموحاتنا عاليا ولنترك "فشة الخلق" والعنتريات جانبا، فما هو أمامنا أكبر بكثير. 

 

أما ما يطنطن به البعض من أن المجلس -على علاته- هو سبب تأخر البلد وتخلفها، فلا يستحق حتى عناء الرد عليه، ونظرة واحدة لحال البلاد بعد اختفاء المجلس كفيلة بتبيان الحقيقة، لكن المشكلة أن هذه النظرة تحتاج لكشافات تعمل بالبطارية فالكهرباء ليست متوفرة في كل وقت في البلد الذي يستعد للانطلاق للفضاء! 

 

وختاما، فإن الكويتيين جميعا يتفقون على سوء المرحلة السابقة، وبغض النظر عن اتفاقهم أو اختلافهم مع الإجراءات التي اتخذها سمو الأمير لوضع العصا في الحلقة السياسية المفرغة المجنونة، فإنه لا بد للكويتيين الآن من أن يتفقوا -شاءوا أم أبوا-على ملامح الوضع المستقبلي لبلادهم، فمن الواضح أن هذا الدستور والعملية السياسية السابقة لم تعد صالحة للنهوض بالمجتمع والدولة. وإن لم يعلن الأمير صراحة نيته بتعديل الدستور، إلا أن رغبته بتغيير الواقع السياسي كانت واضحة في ثنايا خطاب التعليق، وهي لا شك تلتقي مع رغبة الغالبية الساحقة من الكويتيين في تطوير الدستور والعملية السياسية لتكون أكثر انتاجا للتنمية، وأكثر ضمانا للحريات، وأبعد عن السلبيات السابقة.

 

ورب ضارة نافعة، فلعل تعليق المجلس ينقل الكويتيين -وسياسييهم بالخصوص- من التقوقع في الحلقة المفرغة للمناكفات السياسية العقيمة السابقة إلى التفكير جديا في مستقبل البلد كرجال دولة. لا بد من نقاش جاد حول إصلاح الخلل البنيوي في الدستور وكيفية تطويره، ورسم ملامح الكويت الجديدة وشكل إدارة الدولة فيها من الناحية السياسية والاقتصادية والإدارية. وهذا النقاش لن يكون إلا عبر حوار وطني بين فئات المجتمع السياسية والاجتماعية، مضافا لهم مؤسسات المجتمع المدني والأكاديميون. الحوار الوطني ليس حوارا مع السلطة، بل يجب أن يكون في مرحلته الأولى حوارا بين قوى المجتمع نفسها للاتفاق على ما يريدون وتبني المشروع الذي يجمعون عليه – ولو بالحد الأدنى-. وبالتوازي مع هذا الحوار يجب أن يطرح محتواه وأفكاره للعامة في ندوات عامة وحلقات نقاشية وكتابات رصينة، فلم يعد مقبولا بعد الآن أن يختطف مراهقو السياسة الرأي العام ويجبروا الناس على السير وراءهم، ولم يعد مقبولا الهتاف بالشعارات الإنشائية دون أن يكون محتواها واضحا محددا ومدروسا. وبعبارة أخرى، فإننا عندما نقول نريد عودة مجلس الأمة، فلا يعني ذلك أن يتخيل بعض النواب أننا نريد عودتهم هم بنفس تصرفاتهم وعقلياتهم، فهم جزء من المشكلة لا الحل! وعندما نطالب بعودة البرلمان، لا نعني به عودة تلك الطبقة السياسية التي تسمت زورا بالرموز البرلمانية وأجبرت الناس على المشي خلفها -خشية أو حياء- في مهاوي الفساد والتكسب والشعبوية. نريد نظاما برلمانيا حقيقيا مسؤولا عن إدارة البلد بأكفأ أبنائه ليأتي يوم ونقول إن إنجازاتنا تحققت بفضل مجلس الأمة لا أن إنجازنا هو أن عندنا مجلس أمة فقط!

 

 

 

والله من وراء القصد،

Friday, 29 September 2023

الكويت..في معارك تويتر

  أكتب هذه الكلمات تحت ظلال سيوف المعارك الافتراضية المحتدمة في الآونة الأخيرة بين مغردي الخليج، والتي وجد الكويتيون أنفسهم فيها فجأة قطبا لرحاها دون سبب مفهوم، ولا ذنب مجترح، فلا تكاد تضع حزب أوزارها إلا وشمرت أخرى تافهة مثلها عن ساقها، يتيه فيها الحكيم ويغضب الحليم. كل هذا وليس في الأمر ثأر يدرك ولا قتيل يطلب! بل جعجعة دون طحين وقعقعة دون غبار.

 

لكن الأمر يدعو للتأمل، لأنه لم يكن معتادا، ولأن الإسفين يراد أن يدق بين أهل وأقارب وليس بين أغراب وأجانب. ولقائل أن يقول أن الأمر تافه ولا يعدو كونه مهاترات صبيانية لا تسمن ولا تغني من جوع. لكن الحق أن الواقع غير ذلك، فالحروب الإعلامية التي كانت تتخذ من الصحف والتلفزيونات والإذاعات أسلحة لها، باتت اليوم تتخذ وسائل التواصل الاجتماعي ساحة وميدانا وصندوق بريد ترسل من خلاله الرسائل. ثم إن الملاحظ أن الاستهداف لم يعد مقتصرا على مجاهيل ونكرات، فهو قد بدأ بما يعرف بالذباب الالكتروني، ثم انتقل إلى ما يسمى بصانعي المحتوى، وانتهى مؤخرا بالتنظير الرسمي من المثقفين..أو أشباههم. وهذا لو صدر ممن يعيشون في بلد منفتح الأجواء لكان للصدفة محل من الإعراب، أما وأنه يصدر من بلدان عرفت بالانضباط والتوجيه فإن وراء الأكمة ما وراءها.

 

وإذا سلمنا بأن الاستهداف مقصود، فلا بد أن نبحث له عن سبب منطقي وجيه، دون مبالغة وتهويل ولا تصغير وتأويل. ونضرب هنا صفحا عن الأسباب العاطفية كالغيرة والحسد وغيرها مما يصلح للنقاش في جلسات شاي الضحى، ومجالس العاطلين. وفي رأيي المتواضع، أن هناك أسبابا وجيهة لاستهداف النموذج الكويتي من قبل جميع الدول المجاورة المتشابهة ثقافة، والمختلفة نظاما ونموذجا.

هذه الأسباب تنقسم لأسباب داخلية لا شأن للكويت بها، وأخرى خارجية. أما الأسباب الداخلية فيجب أن نتفهم بأن دول الجوار تطرح نموذجا جديدا لشعوبها، وكعادة أي نموذج جديد فلا بد له من التسويق لإقناع الشعب بأن هذا النموذج هو الطريقة الأمثل لحياة أفضل ورخاء دائم. وكأي شركة تريد تسويق منتجها مع وجود منتجات مختلفة، فإن من المشروع تماما أن تعتمد سياسة التسويق للمنتج الجديد على إظهار عيوب المنتجات المختلفة. وقد ساق القدر للكويت أن يكون "منتجها" و"نموذجها" مختلفا تماما عن كل جوارها الجغرافي وامتدادها الثقافي. وهناك أيضا ذلك الخوف الكلاسيكي المبرر من انتقال عدوى "الحرية" أو "الديمقراطية" وإن كانت منقوصة إلى شعوب تستعد لاستقبال نموذج دولة جديد. فإذا كان النموذج الجديد سيحقق رخاء وتنمية، فإن أول سؤال سيتبادر إلى ذهن المواطن بعد أن يشبع, هو عن الحريات والحقوق والمشاركة في الإدارة، وهذه طبيعة إنسانية من الصعب كبتها أو التغافل عنها. لذا جاء الحل الذكي المثير للإعجاب بربط التنمية بالفردية في الإدارة، وإلصاق التخلف -بحق أو بدونه- بالديمقراطية والحرية. فبتنا نقرأ عشرات المقالات عن تلك الثنائية والتلازم الحتمي بين التنمية والفردية، وبين الحرية والتخلف رغم أنه لا تلازم منطقي بينها، لكنها كانت ضرورة سياسية، وقد نفذت باحترافية كبيرة تستحق الإعجاب.

أما الأسباب الأخرى، فإن المنطقة على مشارف زواج قسري بين دولها والكيان الصهيوني الغاصب، وتستعد لحفل الزفاف الكبير المرتقب ليعم الفرح والسرور وينتشر الخير والرخاء. ووسط هذا المشهد المليء بهجة وسعادة، تبدو دولة صغيرة شاذة على ضفاف شمال الخليج غير مسرورة بما يحصل وتبدي أشد التمنع عن المشاركة في هذا العرس الموعود.  وبما أن التطبيع يتم تسويقه بأنه جسر للرخاء والسلام والتنمية، فلا بد حينها من وصم معاقل رفض التطبيع بالتخلف والانحدار.

 

ولست هنا في مورد الدفاع عن التجربة الكويتية التي دخلت عامها الثاني بعد المئة – وان كانت جديرة بذلك- أو بيان محاسن هذه التجربة وأثرها على المجتمع الكويتي أو التحدث عما ينبغي للكويتي ان يفخر به، فلعل لذلك وقت آخر.

ما أريد قوله أن ما يحدث من مشاغبات صبيانية وغير صبيانية بين الإخوة، لا ينبع من ضغائن وأحقاد فردية ولا يعبر عن خلل في النسيج الاجتماعي الشعبي الخليجي المترابط بأواصر القرابة والنسب والجوار، وإنما هو رأس جبل الجليد الذي ينم عن صراع سياسي طبيعي بين نماذج الحكم في الدول، وهذا أمر ينبغي أن يستوعبه السياسيون الكويتيون ليعرفوا كيفية التعامل معه، بلا انفعال أو طفولية أو مجاملة.

 

وإذا أتينا لردة الفعل من الشعب الكويتي، فقد انقسموا إلى فئتين، الفئة الغالبة هي الفئة التي أخذتها العاطفة والحماس الوطني، فتحصنوا في متاريسهم وشرعوا بالدفاع عن كل ما هو كويتي بحق أو بباطل، غافلين عن أوجه الخلل التي يعرفونها كما يعرفون أبناءهم. أما الفئة الأخرى وهي القلة لكنها ذات الطرح الأخطر، فتتمثل في أولئك الذين يروجون -بارتزاق أو بسذاجة- لفكرة أن حرية الشعب هي عائقه الأول عن التنمية، وأن مفتاح الخلاص بيد المستبد المستنير وحده. وهؤلاء يجهلون أو يتجاهلون أن ريادة الكويت وأوج قدرتها كانت في عنفوان ديمقراطيتها، كما يخلطون عمدا بين صلاح "النموذج في الحكم" و"سوء الإدارة" التي أدت لبعض السلبيات، فالنظام الديمقراطي أو شبه الديمقراطي بمثابة الهيكل الأسود المتين ذي الأساسات الراسخة الذي لا يمنع التفنن والإبداع في تصميم البيت الداخلي، بل يعطي المصمم مساحة أكثر للإبداع، بخلاف البيت المزين بديكور وزخارف لكن بنيانه أسس على شفا جرف هار فانهار. يريد هؤلاء من الشعب الذي ناضل لعقود من أجل حقوقه أن يعود القهقرى ليرهن مصير أجياله بيد الصدفة البيولوجية، فتصيب مرة بالإتيان بمستبد عادل وقد تأتي مرة أخرى بمخبول تُسلم له حصرا مصالح البلاد والعباد. ولا أظن أحدا في الكويت يشرئب عنقه للعبة القمار الخطرة هذه. 

 

أما الحصيف من السياسيين الكويتيين – وهم قلة نادرة مع الأسف – في السلطة والبرلمان، فلا بد أن توقظهم مثل هذه النقاشات التي تصبح أكثر جدية وإلحاحا يوما بعد يوم، إلى التنبه لضرورة الدفاع عن نموذجهم السياسي بتطويره لا بوأده، والتعرف على مكامن الخلل في النظام الإداري التي لم تعد خافية على رجل الشارع والسعي لإصلاح ذلك بجدية، فالترهل الحكومي بات ككرة الثلج في التضخم شيئا فشيئا حتى يجرف معه نموذجنا بأكمله. الحل لن يكون بتجاهل الرسائل الواردة من دول الجوار بحجة أنها "شقاوة عيال"، لأن سهام الهجوم ستزداد ولا بد من التعامل معها بحكمة. ولن يكون الحل برمي الأشقاء بالغيرة او غض الطرف عن التحديات الحقيقية والاكتفاء بالتغني بالأمجاد الغابرة وسماع الأغاني الوطنية التي تجلب رضا نفسيا زائفا، بل الحل بالجد في تطوير النظام الدستوري نحو مشاركة أكبر وإعادة هيكلة النظام الإداري من جديد بحوكمة متقنة ليصبح بيئة خصبة للإنتاج والإبداع، فالكويت بحرياتها وروحها هي البلد الأمثل للفرص العظيمة، كما كانت دائما.

Friday, 19 May 2023

الانتخابات و أكل الميتة

  مع كل عثرة -متوقعة- للتجربة الشبيهة بالديمقراطية في الكويت، تخرج أصوات لم تعذ نشازا لتعزف المعزوفة الكلاسيكية: "مو قلنا لكم المشكلة بالمجلس"، " شوفوا دور مدارنا"، "المجلس سبب بلائنا" إلى أخر مقاطع السيمفونية الشهيرة.. مع دعاية خجولة من قبل المتثيقفين للبطل الخرافي الوهمي المسمى "المستبد المستنير"

 

والحق أن هذه الأصوات باتت أكثر عددا و أعلى صخبا ، ولا يلام أصحابها على هذا التفكير بعد المجازر الدستورية التي ارتكبتها السلطة وبحد أقل غوغاء النواب حتى جعلوا الدولة أضحوكة للعالمين، وصنعوا من تلك التجربة الرائدة مسرحية هزلية مجانية المشاهدة لشعوب المنطقة بعد ما كانت مثالا تشرئب إليها أعناقهم. مهمة الدفاع عن تجربتنا الديمقراطية و دستورنا العتيد أضحت أكثر صعوبة مع كل هذه الأمثلة السيئة التي تعرضها هذه التجربة للقريب والبعيد، ففي النهاية الناس تهتم بالثمرة على أرض الواقع وهي ما يحدد حكمها على التجارب بالنجاح أو الفشل. لذا لم يعد مقنعا التشدق بالشعارات الديمقراطية التي لم تمنع الحصى من التطاير ولم تردع لصا عن السرقة.. بل علينا أن نقدم جوابا منطقيا هادئا يحترم عقول الناس عن سبب اصطفافنا المتكرر في طوابير الاقتراع، دون تشغيل مكبرات الصوت بالأغاني الوطنية

 

فالسؤال المنطقي الذي يحتاج إجابة منطقية أيضا... هل نحن بهذه السذاجة لنذهب كل بضعة أشهر لننتخب برلمانا لتحله السلطة كلما اشتهت؟ أو تبطله بجرة قلم بلا أدنى اعتبار لمئات الآلاف الذين تجشموا عناء الوقوف في الطوابير! ثم هل نحن بهذه البساطة لنصدق المرشح تلو المرشح وهو يسرد لنا أحلامه الخيالية في إصلاح البلد، وكأننا نقرأ كتيبا من مكتبة جرير بعنوان " كيف تجعل الكويت دولة عظمى في أسبوع" ! 

 

إجابتي ببساطة، لا. لسنا بهذه السذاجة. لكننا لسنا بذلك الغباء لنترك برلمانا – وإن كان ناقص الصلاحيات – وندخل إلى قفص الحكم الفردي طائعين. و أي بلاء أعظم من تصور أن الاستبداد هو ما سيحل مشاكل البلد ! وغني عن القول أن من يريد الاستبداد هو من يروج بقوة لفكرة ان الديمقراطية سبب البلاء ، وليس فشل رجال الدولة في إدارتها، وهو الأمر الذي لا شأن للمبنى الأبيض القابع على سيف البحر أدنى علاقة به. ولن أجتر هنا الذكريات الأليمة لفشل الحكومة الفردية في إدارة الدولة في سنوات تعليق البرلمان في السبعينات والثمانينات، بل وحتى في فترة البرلمان الشكلي في العقد الأخير الذي عاصرناه، وما جرته علينا حكومات الرأي الواحد من كوارث من مناخ و غزو وانتهاء بتصفير احتياطيات البلد مؤخرا، ولم ينزل علينا المن ولا السلوى الموعودان في تلك الحقب المظلمة.

 

ثم إن المنطق يقول أن الشعب الذي لا يملك أيا من أوراق القوة سواء الاقتصادية أو العسكرية ، لا ينبغي أن يتخلى عن ورقة قوته الوحيدة وهي الورقة السياسية و إن تمثلت ببرلمان مهلهل يحل بين الفينة والأخرى.

نعم، ليست هذه التجربة الناقصة غاية الطموح لكن التخلي عنها بدل تطويرها لهو غاية التخلف. 

 

ولسائل أن يسأل، ماذا أعطت الحياة النيابية الكويتيين من مكاسب؟ وهنا لا بد من تخيل السيناريو البديل...كيف سيكون الوضع بلا برلمان؟ ولا نجد مندوحة من المقارنة مع دول الجوار، فلولا لطف الله والحياة البرلمانية لم يكن لنا أن ننتقد هذه التجربة أصلا ولا أن نفكر بتطويرها! ولكان في البلد رأي واحد وصوت واحد، يشبه صوت أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب، بل مجرد أزيز كأزيز الذباب الالكتروني في خليجنا العربي. ولأصبح الكويتي مدجنا كما أصبح غيره، ولأصبح الشعب بين مطبل منافق، وناقم صامت أو سجين بائس، وليس هذا من المبالغة، بل هو ديدن الحكم الفردي أجارنا الله – وحكامنا – منه. ولعل إجابة النائب السابق د.عبدالعزيز الصقعبي على السؤال المليوني هل سيتغير الواقع بالذهاب للانتخاب؟ فأجاب بأننا لا نعلم ذلك، لكن ما نعلمه قطعا، أننا إن لم ننتخب فالوضع سيكون أسوأ، وهذا بالتجربة والدليل!

https://twitter.com/Linknewskw/status/1656272663311007745?s=20

 

قد يحجب الإحباط رؤية الواقع لمن يشعر بسخافة الوضع حين يذهب للتصويت كل بضعة شهور، لكن من يرى المشهد من الخارج، يبدو له الواقع أكثر وضوحا بسلبياته وايجابياته، وأدعو الأفاضل للاستماع لمقاطع السعودي عمر بن عبدالعزيز -مع عدم اتفاقي مع كل ما يقول- حين يتحدث عن ضرورة التمسك ببرلمان الكويت ، فهذه التجربة الناقصة – رغم عيوبها – يجب ان تنمو لا ان تستأصل، وهي في حد ذاتها كانت -ولا تزال – تشكل خطوة تقدمية جدا مقارنة بالمحيط العربي حولها.

نعم، النبتة التي زرعت في ١٩٦٢ لم تنم لتصبح شجرة وارفة، لكنها لا تزال تبعث بصيصا من الأمل، والواجب سقيها ورعايتها بدلا من اجتثاثها، ثم الارتماء في حضن التخلف العربي المحيط بنا.



 

و لو أني وضعت على رأسي عمامة الفتيا، لقلت بلا تردد أن الانتخابات كأكل الميتة، نأكلها اليوم اضطرارا  ومن لا يأكلها يموت. و أي موت أشد لهذا الشعب الحي من أن يتحول لمجموعة داجنة من الرعايا لا صوت لهم ولا رأي كبقية إخوانهم في بلاد العرب الكبيرة، وهو ما لم يألفوه منذ ٤٠٠ عام ، غير أن اضطرارنا للميتة لا ينبغي أن يبعدنا عن السعي دوما لطعام أطيب، ونظام سياسي أفضل ! فالميتة تبقى ميتة ومن خداع النفس الانغماس بالتلذذ بأكل هذه الميتة الديمقراطية والكذب على أنفسنا بأن لا عيب فيها ، ليحجبنا ذلك عن السعي لتطوير الدستور وإصلاح طريقة إدارة البلد. الواقعية تحتم المشاركة في الانتخابات – اضطرارا - بإيصال الأفضل للدفاع عن ما تبقى من مكتسبات و حقوق، وفي نفس الوقت، فإن ذات الواقعية تستوجب عدم تقديس التجربة الناقصة التي نعيشها، والسعي لإصلاحها. اللعبة مرسومة وقواعدها محددة منذ ٦ عقود، الغبي فقط من يتخيل أن بدخوله للمجلس سيتمكن من تغيير دفة السفينة نحو الإصلاح، والأغبى منه من يصدقه في ذلك فينتخبه على هذا الأساس ليحبط بعدها ويتذمر. نعم، نحن نشارك في اللعبة ليس لأننا نعتقد بأنها ستغير المستقبل، بل لدفع الضرر فقط والمحافظة على المتبقي، لكن الهدف الأسمى هو تغيير قواعد هذه اللعبة – دستور ٦٢- للأفضل ولمصلحة الوطن وحكامه وأبنائه جميعا. فعين على صندوق الانتخاب للمحافظة على القليل الموجود ، وعين أخرى ثاقبة تسعى لتبديل الدستور الحالي البالي بآخر يساعد أبناء الوطن كلهم على بناء الوطن ونهضته.

 

كل الميتة مضطرا كي لا تموت، ولا تقنع بها بل ابحث عن طعام أزكى لأطفالك

Friday, 7 April 2023

رأي غير دستوري.. بعد حكم الدستورية

 

بعد أن قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.. وحكمت المحكمة الدستورية -سددها الله- بإبطال المجلس الذي خرج نصف مليون كويتي لانتخابه بسبب خطأ إجرائي ، رغم تأكيد سمو ولي العهد في خطابه الشهير أنه سيتم التأكد من الإجراءات هذه المرة لئلا يقع البلد في دوامة الأخطاء الإجرائية من جديد...لكن المحكمة كان لها رأي آخر !  فلم تعبأ بالنصف مليون الذين خرجوا من بيوتهم، ولا بوعود سمو ولي العهد، ولا بالظروف السياسية -كما صرحت هي في منطوق حكمها-، بل اهتمت بالإجراءات والإجراءات فقط.. فليس شيء في البلاد أهم من سلامة الإجراءات...أما سلامة عقول الناس وصحتهم.. فليست داخلة في اختصاصات المحكمة... وعلى أي حال، فالمتضرر يلجأ لعيادات الصحة النفسية.. و ما أكثرها في هذا البلد

 

ولست أريد هنا نقد الحكم القضائي ، ولا أتجرأ على ذلك أصلا، فللقضاء رب يحميه .. ويسدده ويهديه..

وإنما أريد انتقاد هذه الثلة الساذجة المستضعفة في عقلها و المسماة "بالشعب"، والتي ابتلى الله بها حكومة هذا البلد، فجعلوا يتدخلون فيما يعنيهم و ما لا يعنيهم، وينازعون الأمر أهله !

 

فطفق رجل يريد من سمو رئيس الوزراء ان يكسر الصمت بإعلان موقف، و تجرأ آخر على طلب ذلك من ولي العهد نفسه! و راغ ثالث ينتقد القضاء وحكمه ، وراح رابع – وهو أغبى القوم – يتذاكى بتقديم الحلول والخيار تلو الخيار للسُلطة وهو بالكاد يعرف تقطيع خيار السَلطة ! أما دواوينهم -التي يخيل لهم من شدة الوهم أنها مراكز دراسات سياسية – فترى في كل زاوية فيها بضعة نفر لا يملكون تقييم الفطور في بيوتهم، يقيمون الوضع السياسي بلهجة كيسنجرية واثقة! أو يلتقي رهط منهم في طابور عيادات عافية فيتحدثون عن تحليل صراع أجنحة الأسرة، وهم إن تمنعت "عافية" عليهم، باتوا لا يملكون ثمن "تحليل" السكر في دمهم !

يا سادة، ما أنتم و ذاك؟ اعرفوا حجمكم ! يا أيها العامة – سياسيكم وعاميكم- كلكم عامة.. 

كلكم عوام، و إن طالت أعناقكم. و كلكم رعايا و إن مددتم أعينكم لما متع الله أزواجا "منهم" زهرة الحياة الدنيا ! و رحم امرأ عرف قدر نفسه ! ولا يهرفن امرؤ بما لا يعرف !

 

أما إن ضربنا عن الهزل و السخرية صفحا، فإن الحق ان تنشغلوا بإصلاح أنفسكم (كشعب) – وهو ما تقدرون عليه – عن إصلاح غيركم (السلطة) وهو مالا تقدرون عليه. فكما ورد في المأثور: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس".

و ليست هذه دعوة للاعتزال، بل على العكس تماما. إن هذا لهو السبيل الوحيد – في رأيي القاصر – لإصلاح النظام السياسي و إحياء هذا البلد الميت سريريا بتحسين إدارته. أو إن شئت فقل أنها دعوة لاعتزال المسرح السياسي الكوميدي والاتجاه الى العمل الحقيقي للإصلاح العام. هي دعوة للمشاركة الحقيقية في صنع مستقبل الوطن بعيدا عن خوض المعارك الدونكيشوتية مع طواحين الهواء التي تفرم اي طير من عوام الشعب يمر بها.

هناك سيناريوهان لا ثالث لهما وعلى المهتمين بالإصلاح ان يختاروا احدهما..

الاول، الصولة بيد جذاء !
و الاصرار بحماس على المشاركة من جديد في لعبة الحية والسلم ! و صرف كل الطاقات الشعبية لنحظى بدور الكومبارس في المسرحية الديمقراطية التي تتكرر فصولها منذ ٦٠ عاما ! فالمخرج ذات المخرج، والنهاية معروفة.. لكننا نستمتع بتصفيق الجمهور حين نصعد بأصواته على خشبة المسرح .. 
ثم ما تلك المتعة الغريبة في ان نكون دمى في صراع اجنحة ليس لنا فيه ناقة ولا جمل! فلا حكومة النواف ستقفز بالكويت لمصاف الدول العظمى، ولا مجلس ٢٠٢٢ شحيح بالأجراء والدهماء والغوغاء الذين لو أوكل اليهم امر البلد لذروه قاعا صفصفا بعد ان ينفقوا ما تبقى من امواله على موظف بليد أو ربة منزل كسلى! ولكرسوا مفهوم المواطن الكويتي المعاق الذي يستحق الهبات والمعونات دون ان يكون له أي دور في الإنتاج الحقيقي.
فهل مثل هذه الحكومة -ورئيسها- أو مثل هؤلاء السياسيين يستحقون التضحية بمزيد من الأثمان الغالية لإعادة المعاول لأيديهم لهدم ما تبقى من شخصية الوطن والمواطن!

 

والسؤال الذي يطرح نفسه، ما هو السيناريو البديل؟ وماذا نفعل ؟ أنتركها لفريق الفساد السابق بلاعبيه المعروفين من شيوخ وتجار؟

وفي الواقع أنا اعتقد ان هناك الكثير مما يمكن للمخلصين الشرفاء عمله بعيدا عن دوامة اللعبة السياسية الدستورية السخيفة الحالية، فالشعب اليوم أصبح أكثر اقتناعا بأن بلاءنا في دستور متقادم جمع خيوط اللعبة كلها في أيدي طرف واحد لتكون نتيجة اللعبة محكومة دائما لصالحه مهما تغير اللاعبون ! ونظام إداري ريعي فاشل يحول المواطنين لمجموعة من العجزة والاتكاليين !

 

الجواب يكمن بالسعي لتغيير قواعد اللعبة وإعادة بناء الوطن.. أو بصراحة أكثر تطوير الدستور وإعادة هيكلة كاملة للكويت الجديدة

 

و هنا أوجه كلامي للسياسيين الذين استطاعوا او يستطيعون جمع مختلف فئات المجتمع حولهم.. أيها السيدات والسادة، عليكم أن تسعوا لحوار وطني حقيقي، يجلس على مائدته كل فئات الشعب بمختلف مشاربه وتوجهاته ، ولتناقشوا كيف تريدون ان يكون شكل هذا الوطن في مستقبله القريب.. ناقشوا واختلفوا كما تشاؤون،  ثم قرروا:

ما هي هوية البلد؟ اشتراكي، أم رأسمالي، أم مزيج بينهما؟ علماني، مدني أم ديني؟ ما هي الثوابت والحريات لشعبه؟ ما هو الحل الاقتصادي الذي سنتبناه؟ ما هي الضمانات لعدم الانزلاق لواقع أكثر بؤسا مع دستور جديد؟ على أي أساس ستؤسس الأحزاب؟ وأين سيكون موقع الشيوخ والتجار في جمهورية أفلاطون الجديدة؟ و العشرات من الأسئلة الجوهرية التي لا يريد أحد نقاشها... 

فكلنا نركض خلف رايات الشعارات الفضفاضة و نخدع أنفسنا بأنا متفقون عليها كشعب في مقابل السلطة! ولنأخذ الحريات مثلا.. فكلنا يطالب بالحريات، والسلطة هي من تقف بوجهنا، و ولم نتعب أنفسنا بالسؤال: هل الحريات التي يطالب بها محمد هايف هي نفس الحريات التي يدافع عنها صالح الملا؟ وهل النظام الاقتصادي الذي يكرسه شعيب المويزري هو نفس النظام الذي يدعو له عبدالوهاب العيسى؟ 

نحن لا نعرف من مطالبنا سوى شعاراتها لكننا مختلفون تماما في معناها وتطبيقها.. نحن نريد اتباع الطريق السهل وتبسيط المعركة بجعل المعركة ذات طرفين خير و شر، فليس سوى شعب يطالب بالحريات والإصلاح وسلطة تقف على نقيضه...نجد الرضا النفسي في قول كلمة "كفو" لكل من يعارض دون أن نملك شجاعة فرز المفسد من المصلح والاجير من الشريف، والواعي من الأحمق !

 

اجلسوا يا سادة في حوار وطني حقيقي.. واتفقوا على مشروع وطني ومطالب حقيقية مفصلة...ثم أقنعوا الناس بأنكم تمثلونهم جميعا... و ثم فاوضوا السلطة وأقنعوها بأن مشروعكم سينقذ الجميع.. حينها سيعرف الناس لماذا يقفون معكم

 

دون ذلك.. ستهلكون أنفسكم و تتعبون الناس في لعبة دستورية جديدة -خصمكم فيها هو من يضع قواعدها-  وتظنون غباء في كل مرة أنكم ستفوزون، وتخوضون معارك هوائية تتخذون في كل مرة فيها بطلا أسطوريا جديدا تُنسج حوله أحلام الإصلاح إلى أن تتكسر على صخرة دستور ٦٢،  و ستظلون تصعدون السلالم حتى تظنون انكم تصلون للقمة، فتأكلكم الحية ملقية بكم في المربع الأول...ولا عزاء للأغبياء

 

 

 

 

ملاحظة: كتب هذا المقال قبل تصريح رئيس برلمان ٢٠٢٠ ضد رئيس الحكومة، والذي أعاد المعادلة الثنائية البسيطة التي يعشقها البسطاء لسهولتها : الاصطفاف خلف بطل أسطوري ضد قطب الفساد، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

Saturday, 24 September 2022

من هو المرشح الذي سأنتخبه ؟

في البداية لا بد من مقدمات بسيطة تساعد على فهم الهدف من النزول لانتخابات مجلس الأمة، و بالتالي وضع معايير لاختيار المرشح الأفضل:


١- لا بد ان يكون واضحا ان العمل الاصلاحي -والسياسي تحديدا- لا يمكن اختزاله بمجلس الأمة -بصلاحياته الحالية- وانتخاباته


٢- أن مفاتيح الإصلاح الحقيقي هي في الغالب خارج قبة البرلمان و تملك السلطة معظم هذه المفاتيح، أما الشعب فيملك مفتاحا واحدا هو الضغط الشعبي متمثلا بأدواته كالحراك المجتمعي و مؤسسات المجتمع المدني وغيرها

 

و يبرز هنا سؤال منطقي جدا: في ظل النظام الدستوري الحالي الذي يضع كل الخيوط بيد سلطة واحدة، ما هو السبب الذي يدعو طالب الإصلاح للسعي لعضوية برلمان عاجز عن تحقيق إصلاح حقيقي ومشوب بالعمل الفردي؟ أليس في ذلك مضيعة للوقت والجهد في دائرة مفرغة تعيدنا دائما للمربع الأول دون إصلاح حقيقي؟ 

ألا يعد ذلك صبا لمزيد من الوقود في ماكينة الدوامة السياسية الشكلية والتي تكتسب مزيدا من الشرعية بقدر ما نضع من الأوراق في صناديق اقتراعها؟ مع علمنا بأنها تؤدي دائما لنفس النتائج

 

و هذا الاعتراضوان كان وجيهاإلا أن البعض يرى أنه في غياب إجماع شعبي مؤثر على العزوف عن النظام السياسي الحالي، فإن من المنطقي أن يسعى دعاة الإصلاح لاستخدام هذه العملية -شبه الديمقراطية- لإيصال مزيد من الصالحين لدفع ضرر أو ترسيخ المزيد من الحريات أو كبح جماح الفساد المستشري وذلك لتهيئة أرضية أكثر صلاحية لبدء عملية الإصلاح الحقيقي، والتي لن تكون مقتصرة على المجلس فقط.

كما أن مجلس الأمة و إن كان محدود التأثير ، إلا أنه لا يزال المنبر الأكثر استماعا في الكويت ومصنعا فاعلا لصقل شخصية السياسي وجذب الجماهير حوله. و لسبب ما، فإن الناس هنا لا تعير مزيد اهتمام لأي سياسي أو مصلح يغرد وحيدا دونالنزول لهذا الميدان وتتهمه بعدم الجدية والاكتفاء بالتنظير الجامد

فأصبح البرلمان طريقا إجباريا وحيدا لأي مصلحوان لم يستمر فيه بعد ذلك- لكنه يكتسب مصداقيته و شعبيته ويتعرف على من يلتقي معه في الهدف ويتمكن من طرح أفكاره من خلال هذا المنبر ، ثم لينطلق بعدها حيثما شاء

 

 

وبعد هذه المقدمة، عن أسباب دخول مجلس الأمة، فما الذي يجب ان ابحث عنه في المرشح الذي سأنتخبه؟

 

بالإضافة إلى المواصفات الكلاسيكية من النزاهة والأمانة والصدق وعدم محاربة الدين ..الخ مما يدعيه الجميع ولا يفي به القليل، فإن هناك مواصفات أخرى ينبغي البحث عنها:

 

١- ألا يكون متسلقا، وصوليا، انتهازيا، مصلحيا، ولا يسعى للجاه أو الشهرة مع التأكيد على أن الطموح مشروع بل مطلوب. وهنا لا يكفي حسن الظاهر واحسان الظن، بل قد يحرم ذلك ، كما روي عن النبي صلى الله عليه و اله وسلم : "احترسوا من الناس بسوء الظن"، وكما روي عن الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: " إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لأحد أن يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه".

فالتشدد في البحث عن سلامة المرشح من هذه الآفات ليس من سوء الظن بل هو أمر مطلوب كطلبه فيمن تريد أن تزوجه ابنتك! وهنا لا يكون كل الظن إثما !

 

٢-ان يكون منفتحا على بقية شركائه في الوطن، ومنسقا معهم. فإذا اتفقنا على أن الهدف من مجلس الأمة تهيئة الأرضية للإصلاح الحقيقي، يصبح من الضروري ألا يكون نائب المستقبل متقوقعا على فئته أو قبيلته أو طائفته، بل ينبغي أن يحمل مشروعا جامعا يكون دليله على ذلك تنسيقه مع بقية الأطياف ممن يشتركون معه في حمل هم الوطن لا هم الفئة أو الطائفة أوالقبيلة فقط

 

 ٣-ان يكون واعيا لدوره وموقعه في المجلس. و من المضحك رؤية بعض المرشحين وهو ينصب نفسه حكما بين  الحكومة والنواب، فيقول -متوهما التوازنأني سأقف مع الحكومة إن أحسنت وضد المعارضة إن أساءت !   لا يا عزيزي المتوازن، لو  نظرت ببساطة لنظامنا السياسي الهجين  فستعرف ان المجلس لا يمكنه تشكيل حكومة ولذا فإن دوره الطبيعي أن يكون خصما للسلطة ومراقبا شديدا لها

لا يعني هذا بطبيعة الحال ان الرشد في خلاف تصويت الحكومة دائما بحق أو باطل، لكنه يعني ان عليك ان تعرف موقعك، وتتذكر انك حين تصل البرلمان تستلم حقيبة النائب التي فيها أدوات كالسؤال والاستجواب و ليس من ضمنها دف ولا طبل !

 

٤-الواقعية. أجد نفسي مجبرا على الابتعاد عن المرشح الذي يتشدق ببرنامج انتخابي طويل عريض فيه صحة وتعليم و إسكان وو . فهذا إما نصّاب أو مغفل.

يا سيدي العزيز، نظامنا البرلماني فردي لا يتيح لنائب بل ولا لمجموع النواب رسم سياسات الدولة وتنفيذها، بل لو حصل هذا - ولن يحصل -سيكون من المخيف جدا ان تكون سياسات الدولة رهنا بارتجال نائب يغرقنا في قوانين شعبوية دون دراسة ولاتمحيص لتقودنا للهاوية.

أيها المرشح العزيز، انما ننتخبك لدفع ضرر او لتحصيل مزيد من الحريات، أما إن كنت مصرا على طرح نفسك كسوبرمان ،فابحث عن ناخبيك في كوكب كريبتون وليس هنا. و مع ذلك فإن من علامات الجدية ان يكون للمرشح خارطة طريق وخطة عمل واقعية لتحقيق أهدافه المعقولة.

 

وختاما فإن هناك بعض المعايير يجب ألا يدخلوا ضمن حسبة أي ناخب في تقييمه للمرشح كتقديم الخدمات، و كونه الأقوى والأكثر حظوظا وغيرها مما يستدعي كلاما طويلا قد تسنح له فرصة قادمة باذن الله