في البداية لا بد من مقدمات بسيطة تساعد على فهم الهدف من النزول لانتخابات مجلس الأمة، و بالتالي وضع معايير لاختيار المرشح الأفضل:
١- لا بد ان يكون واضحا ان العمل الاصلاحي -والسياسي تحديدا- لا يمكن اختزاله بمجلس الأمة -بصلاحياته الحالية- وانتخاباته
٢- أن مفاتيح الإصلاح الحقيقي هي في الغالب خارج قبة البرلمان و تملك السلطة معظم هذه المفاتيح، أما الشعب فيملك مفتاحا واحدا هو الضغط الشعبي متمثلا بأدواته كالحراك المجتمعي و مؤسسات المجتمع المدني وغيرها
و يبرز هنا سؤال منطقي جدا: في ظل النظام الدستوري الحالي الذي يضع كل الخيوط بيد سلطة واحدة، ما هو السبب الذي يدعو طالب الإصلاح للسعي لعضوية برلمان عاجز عن تحقيق إصلاح حقيقي ومشوب بالعمل الفردي؟ أليس في ذلك مضيعة للوقت والجهد في دائرة مفرغة تعيدنا دائما للمربع الأول دون إصلاح حقيقي؟
ألا يعد ذلك صبا لمزيد من الوقود في ماكينة الدوامة السياسية الشكلية والتي تكتسب مزيدا من الشرعية بقدر ما نضع من الأوراق في صناديق اقتراعها؟ مع علمنا بأنها تؤدي دائما لنفس النتائج
و هذا الاعتراض – وان كان وجيها – إلا أن البعض يرى أنه في غياب إجماع شعبي مؤثر على العزوف عن النظام السياسي الحالي، فإن من المنطقي أن يسعى دعاة الإصلاح لاستخدام هذه العملية -شبه الديمقراطية- لإيصال مزيد من الصالحين لدفع ضرر أو ترسيخ المزيد من الحريات أو كبح جماح الفساد المستشري وذلك لتهيئة أرضية أكثر صلاحية لبدء عملية الإصلاح الحقيقي، والتي لن تكون مقتصرة على المجلس فقط.
كما أن مجلس الأمة و إن كان محدود التأثير ، إلا أنه لا يزال المنبر الأكثر استماعا في الكويت ومصنعا فاعلا لصقل شخصية السياسي وجذب الجماهير حوله. و لسبب ما، فإن الناس هنا لا تعير مزيد اهتمام لأي سياسي أو مصلح يغرد وحيدا دونالنزول لهذا الميدان وتتهمه بعدم الجدية والاكتفاء بالتنظير الجامد
فأصبح البرلمان طريقا إجباريا وحيدا لأي مصلح – وان لم يستمر فيه بعد ذلك- لكنه يكتسب مصداقيته و شعبيته ويتعرف على من يلتقي معه في الهدف ويتمكن من طرح أفكاره من خلال هذا المنبر ، ثم لينطلق بعدها حيثما شاء
وبعد هذه المقدمة، عن أسباب دخول مجلس الأمة، فما الذي يجب ان ابحث عنه في المرشح الذي سأنتخبه؟
بالإضافة إلى المواصفات الكلاسيكية من النزاهة والأمانة والصدق وعدم محاربة الدين ..الخ مما يدعيه الجميع ولا يفي به القليل، فإن هناك مواصفات أخرى ينبغي البحث عنها:
١- ألا يكون متسلقا، وصوليا، انتهازيا، مصلحيا، ولا يسعى للجاه أو الشهرة مع التأكيد على أن الطموح مشروع بل مطلوب. وهنا لا يكفي حسن الظاهر واحسان الظن، بل قد يحرم ذلك ، كما روي عن النبي صلى الله عليه و اله وسلم : "احترسوا من الناس بسوء الظن"، وكما روي عن الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: " إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لأحد أن يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه".
فالتشدد في البحث عن سلامة المرشح من هذه الآفات ليس من سوء الظن بل هو أمر مطلوب كطلبه فيمن تريد أن تزوجه ابنتك! وهنا لا يكون كل الظن إثما !
٢-ان يكون منفتحا على بقية شركائه في الوطن، ومنسقا معهم. فإذا اتفقنا على أن الهدف من مجلس الأمة تهيئة الأرضية للإصلاح الحقيقي، يصبح من الضروري ألا يكون نائب المستقبل متقوقعا على فئته أو قبيلته أو طائفته، بل ينبغي أن يحمل مشروعا جامعا يكون دليله على ذلك تنسيقه مع بقية الأطياف ممن يشتركون معه في حمل هم الوطن لا هم الفئة أو الطائفة أوالقبيلة فقط
٣-ان يكون واعيا لدوره وموقعه في المجلس. و من المضحك رؤية بعض المرشحين وهو ينصب نفسه حكما بين الحكومة والنواب، فيقول -متوهما التوازن – أني سأقف مع الحكومة إن أحسنت وضد المعارضة إن أساءت ! لا يا عزيزي المتوازن، لو نظرت ببساطة لنظامنا السياسي الهجين فستعرف ان المجلس لا يمكنه تشكيل حكومة ولذا فإن دوره الطبيعي أن يكون خصما للسلطة ومراقبا شديدا لها
لا يعني هذا بطبيعة الحال ان الرشد في خلاف تصويت الحكومة دائما بحق أو باطل، لكنه يعني ان عليك ان تعرف موقعك، وتتذكر انك حين تصل البرلمان تستلم حقيبة النائب التي فيها أدوات كالسؤال والاستجواب و ليس من ضمنها دف ولا طبل !
٤-الواقعية. أجد نفسي مجبرا على الابتعاد عن المرشح الذي يتشدق ببرنامج انتخابي طويل عريض فيه صحة وتعليم و إسكان وو . فهذا إما نصّاب أو مغفل.
يا سيدي العزيز، نظامنا البرلماني فردي لا يتيح لنائب بل ولا لمجموع النواب رسم سياسات الدولة وتنفيذها، بل لو حصل هذا - ولن يحصل -سيكون من المخيف جدا ان تكون سياسات الدولة رهنا بارتجال نائب يغرقنا في قوانين شعبوية دون دراسة ولاتمحيص لتقودنا للهاوية.
أيها المرشح العزيز، انما ننتخبك لدفع ضرر او لتحصيل مزيد من الحريات، أما إن كنت مصرا على طرح نفسك كسوبرمان ،فابحث عن ناخبيك في كوكب كريبتون وليس هنا. و مع ذلك فإن من علامات الجدية ان يكون للمرشح خارطة طريق وخطة عمل واقعية لتحقيق أهدافه المعقولة.
وختاما فإن هناك بعض المعايير يجب ألا يدخلوا ضمن حسبة أي ناخب في تقييمه للمرشح كتقديم الخدمات، و كونه الأقوى والأكثر حظوظا وغيرها مما يستدعي كلاما طويلا قد تسنح له فرصة قادمة باذن الله
No comments:
Post a Comment