Friday, 7 April 2023

رأي غير دستوري.. بعد حكم الدستورية

 

بعد أن قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.. وحكمت المحكمة الدستورية -سددها الله- بإبطال المجلس الذي خرج نصف مليون كويتي لانتخابه بسبب خطأ إجرائي ، رغم تأكيد سمو ولي العهد في خطابه الشهير أنه سيتم التأكد من الإجراءات هذه المرة لئلا يقع البلد في دوامة الأخطاء الإجرائية من جديد...لكن المحكمة كان لها رأي آخر !  فلم تعبأ بالنصف مليون الذين خرجوا من بيوتهم، ولا بوعود سمو ولي العهد، ولا بالظروف السياسية -كما صرحت هي في منطوق حكمها-، بل اهتمت بالإجراءات والإجراءات فقط.. فليس شيء في البلاد أهم من سلامة الإجراءات...أما سلامة عقول الناس وصحتهم.. فليست داخلة في اختصاصات المحكمة... وعلى أي حال، فالمتضرر يلجأ لعيادات الصحة النفسية.. و ما أكثرها في هذا البلد

 

ولست أريد هنا نقد الحكم القضائي ، ولا أتجرأ على ذلك أصلا، فللقضاء رب يحميه .. ويسدده ويهديه..

وإنما أريد انتقاد هذه الثلة الساذجة المستضعفة في عقلها و المسماة "بالشعب"، والتي ابتلى الله بها حكومة هذا البلد، فجعلوا يتدخلون فيما يعنيهم و ما لا يعنيهم، وينازعون الأمر أهله !

 

فطفق رجل يريد من سمو رئيس الوزراء ان يكسر الصمت بإعلان موقف، و تجرأ آخر على طلب ذلك من ولي العهد نفسه! و راغ ثالث ينتقد القضاء وحكمه ، وراح رابع – وهو أغبى القوم – يتذاكى بتقديم الحلول والخيار تلو الخيار للسُلطة وهو بالكاد يعرف تقطيع خيار السَلطة ! أما دواوينهم -التي يخيل لهم من شدة الوهم أنها مراكز دراسات سياسية – فترى في كل زاوية فيها بضعة نفر لا يملكون تقييم الفطور في بيوتهم، يقيمون الوضع السياسي بلهجة كيسنجرية واثقة! أو يلتقي رهط منهم في طابور عيادات عافية فيتحدثون عن تحليل صراع أجنحة الأسرة، وهم إن تمنعت "عافية" عليهم، باتوا لا يملكون ثمن "تحليل" السكر في دمهم !

يا سادة، ما أنتم و ذاك؟ اعرفوا حجمكم ! يا أيها العامة – سياسيكم وعاميكم- كلكم عامة.. 

كلكم عوام، و إن طالت أعناقكم. و كلكم رعايا و إن مددتم أعينكم لما متع الله أزواجا "منهم" زهرة الحياة الدنيا ! و رحم امرأ عرف قدر نفسه ! ولا يهرفن امرؤ بما لا يعرف !

 

أما إن ضربنا عن الهزل و السخرية صفحا، فإن الحق ان تنشغلوا بإصلاح أنفسكم (كشعب) – وهو ما تقدرون عليه – عن إصلاح غيركم (السلطة) وهو مالا تقدرون عليه. فكما ورد في المأثور: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس".

و ليست هذه دعوة للاعتزال، بل على العكس تماما. إن هذا لهو السبيل الوحيد – في رأيي القاصر – لإصلاح النظام السياسي و إحياء هذا البلد الميت سريريا بتحسين إدارته. أو إن شئت فقل أنها دعوة لاعتزال المسرح السياسي الكوميدي والاتجاه الى العمل الحقيقي للإصلاح العام. هي دعوة للمشاركة الحقيقية في صنع مستقبل الوطن بعيدا عن خوض المعارك الدونكيشوتية مع طواحين الهواء التي تفرم اي طير من عوام الشعب يمر بها.

هناك سيناريوهان لا ثالث لهما وعلى المهتمين بالإصلاح ان يختاروا احدهما..

الاول، الصولة بيد جذاء !
و الاصرار بحماس على المشاركة من جديد في لعبة الحية والسلم ! و صرف كل الطاقات الشعبية لنحظى بدور الكومبارس في المسرحية الديمقراطية التي تتكرر فصولها منذ ٦٠ عاما ! فالمخرج ذات المخرج، والنهاية معروفة.. لكننا نستمتع بتصفيق الجمهور حين نصعد بأصواته على خشبة المسرح .. 
ثم ما تلك المتعة الغريبة في ان نكون دمى في صراع اجنحة ليس لنا فيه ناقة ولا جمل! فلا حكومة النواف ستقفز بالكويت لمصاف الدول العظمى، ولا مجلس ٢٠٢٢ شحيح بالأجراء والدهماء والغوغاء الذين لو أوكل اليهم امر البلد لذروه قاعا صفصفا بعد ان ينفقوا ما تبقى من امواله على موظف بليد أو ربة منزل كسلى! ولكرسوا مفهوم المواطن الكويتي المعاق الذي يستحق الهبات والمعونات دون ان يكون له أي دور في الإنتاج الحقيقي.
فهل مثل هذه الحكومة -ورئيسها- أو مثل هؤلاء السياسيين يستحقون التضحية بمزيد من الأثمان الغالية لإعادة المعاول لأيديهم لهدم ما تبقى من شخصية الوطن والمواطن!

 

والسؤال الذي يطرح نفسه، ما هو السيناريو البديل؟ وماذا نفعل ؟ أنتركها لفريق الفساد السابق بلاعبيه المعروفين من شيوخ وتجار؟

وفي الواقع أنا اعتقد ان هناك الكثير مما يمكن للمخلصين الشرفاء عمله بعيدا عن دوامة اللعبة السياسية الدستورية السخيفة الحالية، فالشعب اليوم أصبح أكثر اقتناعا بأن بلاءنا في دستور متقادم جمع خيوط اللعبة كلها في أيدي طرف واحد لتكون نتيجة اللعبة محكومة دائما لصالحه مهما تغير اللاعبون ! ونظام إداري ريعي فاشل يحول المواطنين لمجموعة من العجزة والاتكاليين !

 

الجواب يكمن بالسعي لتغيير قواعد اللعبة وإعادة بناء الوطن.. أو بصراحة أكثر تطوير الدستور وإعادة هيكلة كاملة للكويت الجديدة

 

و هنا أوجه كلامي للسياسيين الذين استطاعوا او يستطيعون جمع مختلف فئات المجتمع حولهم.. أيها السيدات والسادة، عليكم أن تسعوا لحوار وطني حقيقي، يجلس على مائدته كل فئات الشعب بمختلف مشاربه وتوجهاته ، ولتناقشوا كيف تريدون ان يكون شكل هذا الوطن في مستقبله القريب.. ناقشوا واختلفوا كما تشاؤون،  ثم قرروا:

ما هي هوية البلد؟ اشتراكي، أم رأسمالي، أم مزيج بينهما؟ علماني، مدني أم ديني؟ ما هي الثوابت والحريات لشعبه؟ ما هو الحل الاقتصادي الذي سنتبناه؟ ما هي الضمانات لعدم الانزلاق لواقع أكثر بؤسا مع دستور جديد؟ على أي أساس ستؤسس الأحزاب؟ وأين سيكون موقع الشيوخ والتجار في جمهورية أفلاطون الجديدة؟ و العشرات من الأسئلة الجوهرية التي لا يريد أحد نقاشها... 

فكلنا نركض خلف رايات الشعارات الفضفاضة و نخدع أنفسنا بأنا متفقون عليها كشعب في مقابل السلطة! ولنأخذ الحريات مثلا.. فكلنا يطالب بالحريات، والسلطة هي من تقف بوجهنا، و ولم نتعب أنفسنا بالسؤال: هل الحريات التي يطالب بها محمد هايف هي نفس الحريات التي يدافع عنها صالح الملا؟ وهل النظام الاقتصادي الذي يكرسه شعيب المويزري هو نفس النظام الذي يدعو له عبدالوهاب العيسى؟ 

نحن لا نعرف من مطالبنا سوى شعاراتها لكننا مختلفون تماما في معناها وتطبيقها.. نحن نريد اتباع الطريق السهل وتبسيط المعركة بجعل المعركة ذات طرفين خير و شر، فليس سوى شعب يطالب بالحريات والإصلاح وسلطة تقف على نقيضه...نجد الرضا النفسي في قول كلمة "كفو" لكل من يعارض دون أن نملك شجاعة فرز المفسد من المصلح والاجير من الشريف، والواعي من الأحمق !

 

اجلسوا يا سادة في حوار وطني حقيقي.. واتفقوا على مشروع وطني ومطالب حقيقية مفصلة...ثم أقنعوا الناس بأنكم تمثلونهم جميعا... و ثم فاوضوا السلطة وأقنعوها بأن مشروعكم سينقذ الجميع.. حينها سيعرف الناس لماذا يقفون معكم

 

دون ذلك.. ستهلكون أنفسكم و تتعبون الناس في لعبة دستورية جديدة -خصمكم فيها هو من يضع قواعدها-  وتظنون غباء في كل مرة أنكم ستفوزون، وتخوضون معارك هوائية تتخذون في كل مرة فيها بطلا أسطوريا جديدا تُنسج حوله أحلام الإصلاح إلى أن تتكسر على صخرة دستور ٦٢،  و ستظلون تصعدون السلالم حتى تظنون انكم تصلون للقمة، فتأكلكم الحية ملقية بكم في المربع الأول...ولا عزاء للأغبياء

 

 

 

 

ملاحظة: كتب هذا المقال قبل تصريح رئيس برلمان ٢٠٢٠ ضد رئيس الحكومة، والذي أعاد المعادلة الثنائية البسيطة التي يعشقها البسطاء لسهولتها : الاصطفاف خلف بطل أسطوري ضد قطب الفساد، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

No comments:

Post a Comment